2 سبتمبر، 2026
الصفحة الأولى وطنية

تجارة متعثرة واحتجاجات: دعوات لحلول دائمة لأزمة معبر رأس جدير

صابر الحرشاني

يعرف معبر رأس جدير في الاونة الاخيرة تطورات لافتة،فمع نهاية أوت 2026، عاد المعبر إلى واجهة الاهتمام في بن قردان، بالتزامن مع تحركات اجتماعية تطالب باستعادة نسق التجارة البينية وتسريع المشاريع التنموية بالجهة.

وفي 31 أوت، شهدت بن قردان مسيرة احتجاجية دعا إليها الاتحاد المحلي للشغل، رفعت جملة من المطالب الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها إعادة فتح التجارة البينية عبر رأس جدير وتحسين الأوضاع التنموية. ويعكس ذلك أن ملف المعبر مرتبط بصورة مباشرة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي للمدينة والمنطقة الحدودية ككل، باعتبار ان المعبر يمثل أحد المكونات الأساسية للاقتصاد المحلي في بن قردان، حيث ارتبطت به منذ سنوات أنشطة التجارة والنقل والخدمات والأسواق ومجموعة واسعة من مصادر الدخل المباشر وغير المباشر.

أكثر من عامين من الاضطراب

و منذ أزمة مارس 2024، لم تستعد التجارة عبر رأس جدير نسقها السابق بصورة مستقرة، وقد تداخلت خلال الفترة الماضية مسائل أمنية وجمركية وتنظيمية مع ظروف الجانب الليبي، لتنعكس في النهاية على التجار والمسافرين وعلى النشاط الاقتصادي في بن قردان.

وفي مارس 2026، تجدد التوتر بعد احتجاجات في المنطقة على خلفية إيقاف تجار تونسيين في ليبيا، وهو ما أدى إلى تعطيل الطريق المؤدية إلى المعبر لفترة، قبل عودة حركة المرور.

و تكشف هذه الأحداث المتكررة طبيعة العلاقة المعقدة بين اقتصاد المنطقة الحدودية والتطورات في الجانب الليبي. فالتجارة هنا لا تتم في فضاء اقتصادي منفصل، وإنما تتأثر بصورة مباشرة بالإجراءات المعتمدة من الطرفين وبالأوضاع الأمنية والسياسية وبحركة السوق الليبية، وبالتالي، فإن استقرار المعبر أصبح عاملا أساسيا لاستقرار النشاط الاقتصادي في المنطقة.

اقتصاد محلي يعتمد على الحركة الحدودية

و تكمن خصوصية بن قردان في أن التجارة الحدودية ليست نشاطا هامشيا، فقد نشأت حولها منظومة اقتصادية متكاملة تضم التجار والناقلين وأصحاب المحلات والمخازن والمقاهي والنزل والخدمات المختلفة، ولذلك، عندما تتراجع حركة التجارة، لا تتوقف مداخيل التجار وحدهم.

و يمتد الانعكاس إلى قطاعات أخرى، ويؤثر في الدورة الاقتصادية المحلية وفي قدرة عدد كبير من الأسر على المحافظة على مستوى دخلها المعتاد.

وهذا يفسر جانبا من حساسية المنطقة تجاه أي اضطراب في رأس جدير. فالمواطن في بن قردان يتعامل مع المعبر باعتباره جزءا من اقتصاده اليومي، وليس مجرد نقطة عبور بين دولتين.

وتشير تقديرات سابقة إلى أن فترات إغلاق المعبر أو تعطله تسببت في خسائر اقتصادية مهمة للمنطقة، وهو ما يؤكد أن انتظام الحركة التجارية يمثل مصلحة مشتركة للجانبين التونسي والليبي.

العلاقة تحتاج إلى مزيد من الاستقرار

ومن المعلوم ان تونس وليبيا تجمعهما علاقات اقتصادية واجتماعية عميقة، والحدود بين البلدين تمثل مجالا لحركة بشرية وتجارية كثيفة منذ عقود، غير أن هذه العلاقة تحتاج إلى قواعد أكثر استقرارا خصوصا في ما يتعلق بالتجارة الصغرى وحركة المسافرين والإجراءات الجمركية.

فالتاجر يحتاج إلى وضوح في القواعد، والمسافر يحتاج إلى معرفة الإجراءات المطلوبة، والإدارة في البلدين تحتاج إلى آليات سريعة لمعالجة الإشكالات التي يمكن أن تنشأ على المعبر.

وكلما غابت هذه القواعد أو تغيرت بصورة متكررة، ارتفع منسوب عدم اليقين، وهو أمر ينعكس في النهاية على النشاط التجاري وعلى العلاقة بين سكان المناطق الحدودية.

ومن هنا تبرز أهمية استمرار التنسيق التونسي الليبي، ليس فقط لمعالجة الأزمات بعد وقوعها، وإنما لوضع ترتيبات عملية تقلل من فرص تكرارها،ةلكن مشكلة المنطقة لا تختزل في رأس جدير، فحتى في أفضل الظروف، لا يمكن للتجارة الحدودية وحدها أن تستجيب لكل حاجيات التنمية والتشغيل في الجنوب الشرقي.

وتكشف الاحتجاجات الأخيرة في بن قردان عن هذا الجانب أيضا، فالمطالب المتعلقة بالمعبر جاءت بالتوازي مع مطالب أوسع تتصل بالتنمية وفرص العمل وتحسين الخدمات.

وفي هذا السياق، تكتسب المشاريع التنموية أهمية خاصة، لأنها تسمح بتوسيع القاعدة الاقتصادية للمنطقة وتقليل اعتمادها على نشاط واحد.

ولا يعني ذلك الابتعاد عن التجارة مع ليبيا، بل تنظيمها وتطويرها بالتوازي مع خلق قطاعات اقتصادية أخرى يمكن أن توفر فرص العمل والدخل.

مشروع البوابة الإفريقية

المفارقة اللافتة في المشهد الحالي أن رأس جدير لا يُنظر إليه باعتباره معبرا تونسيا ليبيا فحسب، بل يجري التفكير فيه أيضا ضمن رؤية أوسع مرتبطة بالتجارة مع إفريقيا.

ففي أفريل 2026، أعلنت تونس عن مشروع يهدف إلى تطوير معبر بري ذي امتداد إفريقي انطلاقا من رأس جدير، بما يفتح المجال أمام تعزيز المبادلات التجارية مع أسواق جنوب الصحراء.

و حملت الفكرة أهمية استراتيجية بالنسبة إلى تونس، خصوصا في ظل البحث عن تنويع الأسواق الخارجية وتعزيز موقع البلاد في المبادلات الإفريقية.

لكن نجاح هذا التوجه يتطلب قبل كل شيء معالجة الإشكالات القائمة على المعبر نفسه.

فالمعبر الذي يراد له أن يكون نقطة عبور إقليمية يحتاج إلى بنية لوجستية متطورة، وإجراءات جمركية أكثر سرعة ووضوحا، وخدمات للنقل والتخزين، وقواعد مستقرة للتجارة، فضلا عن بيئة اقتصادية محلية قادرة على الاستفادة من هذه الحركة.

وبعبارة أخرى، فإن تطوير رأس جدير لا ينبغي أن يكون مشروعاً لرفع قدرة العبور فقط، بل فرصة لإعادة بناء المنظومة الاقتصادية المحيطة به.

و تبدو المصلحة التونسية في هذه المرحلة واضحة و تتعلق بالحفاظ على حركة طبيعية ومستقرة عبر رأس جدير، مع ضمان احترام القواعد والإجراءات من الجانبين، وحماية مصالح المواطنين والتجار، وتطوير التعاون مع ليبيا بما يحقق مصلحة المناطق الحدوديةلكن بالتوازي مع ذلك، تحتاج بن قردان إلى اقتصاد أكثر تنوعا. ومن المعلوم ان المنطقة تملك موقعا جغرافيا مهما يمكن أن يؤهلها لأن تصبح مركزا للخدمات اللوجستية والتخزين والنقل والتوزيع، وأن تستفيد من موقعها بين السوق التونسية والسوق الليبية ومن المشاريع المرتبطة بالتجارة الإفريقية، وهذا يتطلب رؤية متكاملة تربط بين المعبر والطريق واللوجستيك والاستثمار والتكوين المهني والخدمات

Related posts

تأثيرات موجة الحر متواصلة ليلا..

root

وزارة النقل: جلسة عمل مع المديرين الجهويين بخصوص العودة المدرسية

رمزي أفضال

الرابحي: تراجع ملحوظ لظاهرة خزن المياه المعدنية تحت أشعة الشمس

محمد بن محمود

Leave a Comment