عزّز تحوّل الولايات المتحدة من خيار الحرب العسكرية إلى الحرب الاقتصادية ضدّ إيران، قراءة لدى الأجهزة الأمنية الإيرانية تفيد بأن واشنطن، بعد عجزها عن تحقيق أهدافها، باتت تركّز في استراتيجيتها الراهنة على تقويض قدرة طهران على الصمود؛ وذلك بهدف تأجيج الاستياء الشعبي، وإثارة الفوضى والاضطرابات خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. ويتجلّى هذا التقييم بوضوح في أحدث بيان صادر عن جهاز استخبارات «الحرس الثوري»، قبل ايام قليلة إذ جاء فيه أن «نقطة ارتكاز الاستراتيجية الأميركية الحالية تتمحور حول زعزعة الاستقرار وخفض مستوى الصمود الوطني للإيرانيين».
وحذّر البيان من مساعي «تحريض المواطنين لنقل مشاعر الاستياء إلى الشارع»، متّهماً، كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل، بهندسة مخطّط جديد «لممارسة الضغوط من الداخل» ضدّ إيران، وذلك عقب «فشل مساعي إسقاط النظام عبر الهجمات العسكرية». وحدّد الجهاز محاور الاستراتيجية الجديدة في «شنّ ضربات دورية محدودة، وتفعيل بؤر الأزمات، وخوض الحرب النفسية، وزعزعة استقرار الأسواق النقدية والمالية، وتنفيذ العمليات المخلّة بالأمن». ولفت أيضاً إلى محاولات «تضخيم واستغلال بعض نقاط الضعف، والنواقص، والقيود الداخلية في إدارة البلاد». وأكد، في الوقت ذاته، الجاهزية لـ«التصدّي لأيّ عمل يستهدف زعزعة الهدوء والوفاق والتماسك الوطني في البلاد، وإحباط المخطّطات المخلّة بالأمن لأجهزة تجسّس العدو في الداخل، وعلى امتداد الشريط الحدودي».
وفي السياق نفسه، حذّر حسين طائب، الذي عُيّن أخيراً من قِبل قائد الجمهورية، مجتبى خامنئي، رئيساً لمنظمة «الباسيج»، في مواقف نشرتها وسائل الإعلام الإيرانية، من أن «العدو يسعى إلى خلق الاستقطاب وتأجيج الاستياء في الداخل». وأشار إلى تحوّل الاستراتيجية الأميركية من «الحرب الصلبة» إلى «الحرب الهجينة»، قائلاً: «بعد فشله في الحرب العسكرية رغم النفقات الباهظة، يسعى العدو إلى تعطيل الاقتصاد، وإغلاق الأعمال التجارية، وإبطاء وشلّ عجلة الإنتاج في البلاد»، مضيفاً أن «مخطّط العدو يقوم على تعطيل دورة الإنتاج والتجارة والاستهلاك في إيران، وهو ما كان يسعى إليه سابقاً بالصواريخ والقنابل، فيما يتابعه اليوم عبر الأدوات الأمنية والاقتصادية».
وتماشياً مع هذه الرواية، اعتبرت وكالة «تسنيم»، في تقرير لها، أن ادّعاءات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن استهداف المحتجّين في إيران بواسطة قنّاصة النظام، تحمل رسالتَين: «فالولايات المتحدة تسعى، من جهة عبر دعم التيّارات المعارضة وتسليحها، إلى تعزيز القدرة على تصعيد العنف وزرع انعدام الأمن في الميدان؛ ومن جهة أخرى، تعمل منذ الآن على تجهيز وإدارة السردية الإعلامية لتحميل الجمهورية الإسلامية تبعات هذا العنف». ولطالما شكّلت محاولات إثارة الفوضى في الداخل الإيراني، كورقة ضغط ضدّ النظام، إحدى الاستراتيجيات الثابتة للولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. وخلال احتجاجات كانون الثاني الماضي، التي اندلعت عقب تراجع قيمة العملة الوطنية -بفعل العقوبات أولاً-، دعا ترامب المحتجّين مراراً إلى مهاجمة المراكز الحكومية، واعداً إياهم بأن «المساعدة الأميركية في طريقها إليهم». لكن تصدير الولايات المتحدة وقتها، رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، الذي سعى إلى تقديم نفسه كقائد للاحتجاجات وبديل سياسي، والذي يرتبط بصلات أمنية وثيقة مع إسرائيل، بل سبق له أن زار الأراضي المحتلة، والتقى رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، دفع كثيرين إلى اعتبار اضطرابات كانون الثاني، نتاج مشروع أمني واسع النطاق أدارته واشنطن وتل أبيب. والمشروع هذا، ظهر واضحاً، مع مرور الوقت، أنه يستهدف استكمال حرب الأيام الـ12 يوماً التي اندلعت في جوان من العام الماضي، بأدوات هجينة أريد من تفعيلها إضعاف النظام.
وإذ أدّت تلك الاحتجاجات، بالفعل، إلى تأجيج الوضع في إيران، وتعميق الانقسامات، معزّزةً الانطباع بأن النظام بات في موقع ضعف، وأن الفرصة قد حانت لتوجيه الضربة القاضية إليه، فقد مهّد هذا التصوّر لشنّ الهجوم العسكري الثاني في 28 فيفري الماضي. غير أنه، وخلافاً للحسابات الأولية، ورغم اغتيال القائد الأعلى وكبار القادة العسكريين والسياسيين والأمنيين، لم يتداعَ نظام الجمهورية الإسلامية؛ بل على العكس، أطلقت إيران منذ الساعات الأولى للحرب، ردودها الصاروخية، وبالطائرات المسيّرة، على نطاق واسع، واستمرّت في ذلك بلا انقطاع طوال 40 يوماً. كما أن الهجمات على مراكز الشرطة وتسليح الميليشيات الكردية الإيرانية (وهو ما أقرّ به ترامب نفسه)، والتي رآها كثيرون محاولة للتمهيد لتمرّد داخلي، لم تؤدِّ إلى إشاعة الفوضى، في حين أفرزت ديناميات الحرب نوعاً من التماسك والوحدة بين مختلف فئات المجتمع، تجلت معالمه في فعاليات شوارع المدن الإيرانية على مدى الأشهر الستة الماضية، والتي جمعت مؤيدي النظام والمعارضين للعدوان، على السواء.
ويرى مراقبون أن الاستقرار الأمني الداخلي في إيران، كان أحد العوامل التي مكّنت طهران من خوض المواجهة العسكرية بتركيز أعلى؛ وهو ما أوقع واشنطن، في المقابل، في مأزق حرب الاستنزاف العسكرية، ودفعها، في نهاية المطاف، إلى إعادة الرهان على تصعيد الضغوط الاقتصادية. وشكّل الحصار البحري المرحلة الأولى من تلك الضغوط، لتأتي العقوبات الجديدة التي وصفتها الولايات المتحدة بأنها «الأشدّ في التاريخ»، وتدشّن مرحلة جديدة من هذا المسار.
والظاهر أن الولايات المتحدة تراهن على الأثر النفسي لهذه الضغوط، لزرع الخوف وإحداث الانقسام داخل المجتمع وبين أركان الحكم على السواء. وفي الوقت نفسه، تأمل واشنطن أن تُفضي الضغوط الراهنة إلى ارتدادات اقتصادية مباشرة، من قبيل انهيار أكبر في قيمة العملة الوطنية، وارتفاع أسعار السلع، وشحّ المواد الأساسية والأدوية، بما يؤدي إلى إشعال فتيل الاحتجاجات الشعبية. وذلك ما يفسّر تحذيرات الأوساط الأمنية في طهران من احتمال تفجّر اضطرابات داخلية خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.
في المقابل، وبالتوازي مع تشديد الإجراءات والمراقبة الأمنية في الداخل، اتّخذت السلطات الإيرانية خطوات تعويضية لتعزيز القدرة على الصمود الوطني، شملت إدارة سوق الصرف، وترشيد الاستهلاك، وتأمين السلع الأساسية والمستلزمات الطبية عبر مسارات ومنافذ بديلة، في ظلّ الحصار البحري المفروض أميركياً. وفي هذا السياق، كشف نائب وزير الاقتصاد الإيراني، مرتضى زمانيان، أمس، عن تكثيف نشاط مجموعة العمل الخاصة بـ«غرفة الحرب» داخل الوزارة، موضحاً أن الحكومة وضعت خططاً لإدارة تداعيات الحرب الاقتصادية والتعامل مع مختلف السيناريوات، بدءاً من الظروف القصوى وصولاً إلى الحالات الاعتيادية.
مع ذلك، يرى فريق داخل إيران أن كسر الطوق الاقتصادي يتطلّب المبادرة إلى عمل عسكري مباغت على المستوى الإقليمي، يكفل قلب رقعة الشطرنج ومنع تكريس الحصار المفروض على البلاد كأمر واقع.
