أفاد المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان بأن أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون شهدت خلال شهر أكتوبر من هذا العام تصاعدا حادا من حيث الحجم والخطورة، وتحولت من حوادث متفرقة إلى أعمال منظمة تستهدف التجمعات الفلسطينية وأراضي المواطنين وممتلكاتهم، بالتزامن مع تسارع المخططات الاستيطانية وإجراءات سلطات الاحتلال الإسرائيلي الرامية إلى الاستيلاء على مزيد من الأراضي وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وأوضح المكتب، في تقرير الاستيطان الدوري أن جميع المعطيات تشير إلى أن هذا العنف تنامى بشكل مطرد على مدى السنوات الأربع الماضية، وهو ما ينعكس في جرأة الجناة وعدد هذه الأعمال وانتشارها الجغرافي ومستوى التنظيم المتزايد وراءها. وقد أصبح هذا العنف جزءا من مجموعة أوسع من التدابير الرسمية القسرية التي تهدف إلى الضغط على المجتمعات الفلسطينية للتخلي عن أراضيها وممتلكاتها.
ونوّه إلى وجود تباين في البيانات المتعلقة بحجم واتساع نطاق أعمال العنف والإرهاب التي يرتكبها المستوطنون، موضحا أن هناك نموذجين مختلفين لرصد هذه الاعتداءات؛ الأول إسرائيلي، يستند إلى بيانات جيش الاحتلال الإسرائيلي وجهاز الأمن العام والشرطة التابعة لوزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير في الضفة الغربية، ويعكس رواية إسرائيلية منحازة، فيما يعتمد النموذج الثاني على بيانات وكالات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، بما فيها مؤسسات إسرائيلية ومؤسسات تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية.
وأشار إلى أن النموذج الثاني يقدم معطيات ورواية مغايرة إلى حد بعيد، إلا أن البيانات الصادرة عن الجانبين تُظهر، رغم اختلاف منهجيات الرصد والتوثيق، ارتفاعا حادا ومتواصلا في حجم وتيرة الاعتداءات والعنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، ولا سيما خلال السنوات الأربع الماضية، في ظل الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، وبمشاركة بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
وبيّن أن عنف وإرهاب المستوطنين يتزامنان مع النشاطات والمخططات الاستيطانية في أراضي الضفة الغربية، خاصة بعد أن أنشأت “وزارة الأمن القومي”، بقيادة المتطرف بن غفير، فرقا مدنية مجهزة ومخولة بصلاحيات مماثلة لوحدات الشرطة، وبعد أن جندت وزارة جيش الاحتلال الإسرائيلي ما يقرب من 5,500 مستوطن في وحدات الاحتياط الخاصة بما يسمى “الدفاع الإقليمي” المتمركزة بالقرب من المستوطنات، وسهّلت توزيع الأسلحة على نطاق أوسع، وزودتها بمركبات “بولاريس رينجر” المخصصة للطرق الوعرة، واستخدمتها العناصر المتطرفة بشكل متزايد لمضايقة المزارعين والرعاة الفلسطينيين، ونقل الأسلحة والمعدات والأفراد بين المزارع والبؤر الاستيطانية.
وعند مقارنة اعتداءات المستوطنين خلال شهر أكتوبر من العام الجاري بنظيرتها في الفترة ذاتها من العام الماضي، أظهرت المعطيات قفزة حادة وخطيرة في مؤشرات العنف والإرهاب الذي ينفذه مستوطنون ينطلقون من البؤر والمزارع الرعوية. وارتفع المعدل اليومي للاعتداءات من نحو 5 اعتداءات يوميا خلال العام الماضي إلى 7.4 اعتداءات يوميا خلال العام الجاري، فيما بلغت ذروتها مع بداية موسم قطف الزيتون، مسجلة 39 اعتداء في يوم واحد.
وأشار التقرير إلى أن بلدات وقرى ريف نابلس الجنوبي والشرقي، وشمال شرق رام الله، ومسافر يطا في الخليل، تصدرت قائمة المناطق الأكثر تضررا وعرضة لاعتداءات المستوطنين خلال شهر أكتوبر من هذا العام، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، إذ تميزت هذه الهجمات بتركيزها الشديد على القرى المحيطة بالبؤر الاستيطانية الرعوية. وجاءت قائمة البلدات الأكثر تضررا، حسب المحافظات، على النحو التالي:
محافظة نابلس:
تصدرت قائمة المحافظات الأكثر تضررا من اعتداءات المستوطنين، التي طالت عددا من البلدات والقرى، بينها بيتا وأوصرين، حيث شهدتا مواجهات عنيفة عقب تجريف آليات المستوطنين أراضي مزروعة بأشجار الزيتون في محيط جبل صبيح، إلى جانب الاعتداء بالضرب وإطلاق قنابل الغاز على العائلات وقاطفي الزيتون والصحافيين.
وامتدت الاعتداءات لتشمل بلدات قصرة وجالود وقريوت واللبن الشرقية، حيث تعرضت مداخلها لهجمات متكررة تمثلت في رشق مركبات المواطنين بالحجارة، وملاحقة المزارعين وطردهم من حقولهم، وتخريب الأشجار المعمرة. كما شهدت بلدتا بيت فوريك وسالم تصاعدا ملحوظا في اعتداءات المستوطنين المسلحين القادمين من مستوطنة “إيتمار”، الذين عملوا على ملاحقة المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم في المنطقة الشرقية.
محافظة رام الله والبيرة:
كان للمحافظة النصيب الأعلى في هذه الاعتداءات، حيث برزت قرية المغير كإحدى أكثر البلدات تضررا هذا العام، بعد تعمد المستوطنين إدخال قطعان أغنامهم ومواشيهم إلى حقول الزيتون الفلسطينية لتخريب الأشجار بشكل كامل، فضلا عن اندلاع مواجهات متكررة عند أطرافها.
وامتدت الاعتداءات لتشمل قريتي أبو فلاح وترمسعيا، اللتين شهدتا هجمات منظمة تضمنت إحراق أشجار الزيتون والاعتداء الجسدي على المزارعين، إلى جانب ملاحقة المتضامنين الأجانب الذين يساندون الأهالي ومنعهم من الوصول إلى المناطق المستهدفة.
كما طالت الاعتداءات بلدتي أم صفا وبرقا، حيث سُجل ارتفاع في حوادث إحراق المركبات ومحاصرة المنازل القريبة من المستوطنات، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
محافظة الخليل:
سجلت المحافظة أعلى حصيلة في تخريب الأشجار، بواقع 3366 شجرة، فيما تحولت مسافر يطا (قرى سوسيا والتوانة والفخيت وأم قواويس) إلى إحدى أكثر المناطق تضررا من اعتداءات المستوطنين، حيث تعرض السكان لاعتداءات بالضرب المبرح من مستوطني البؤر الرعوية، وتدمير الأدوات والمعدات الزراعية، وسرقة مئات رؤوس الأغنام، في اعتداءات تستهدف التضييق على التجمعات البدوية ودفعها إلى الرحيل القسري.
كما طالت الاعتداءات بلدتي سعير والشيوخ، حيث تعرض المزارعون لإجراءات شملت منعهم من العمل في أراضيهم، بالتزامن مع صدور أوامر عسكرية تقضي بالاستيلاء على مساحات واسعة من أراضي البلدتين لصالح مستوطنة “بني كيدم”.
وامتدت الاعتداءات أيضا إلى محافظتي سلفيت وبيت لحم. فقد تضررت بلدتا ياسوف ودير استيا في المحافظة الأولى بشدة جراء تجريف الأراضي المزروعة بالزيتون لشق طرق استيطانية جديدة، والاعتداء على المزارعين والاستيلاء على معداتهم.
محافظة بيت لحم:
واجهت بلدتا بتير وتقوع تصاعدا في إغلاق المداخل والاستيلاء على الأراضي، ولا سيما أراضي بتير، التي أعلن الاحتلال الإسرائيلي تحويل أجزاء منها لصالح الموقع الاستيطاني “بار كوخبا”.
ويتواصل إرهاب المستوطنين بالتوازي مع تسارع المخططات الاستيطانية الهادفة إلى الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وتوسيع المستوطنات والبؤر.
وفي هذا السياق، أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، في الثامن والعشرين من الشهر الماضي، أمرا عسكريا يقضي بوضع اليد على مئات الهكتارات من أراضي بلدات دير نظام وأم صفا وعطارة، شمال غرب رام الله، بهدف ربط المستوطنات والبؤر المحيطة بمستوطنتي “عطيرت” و”حلميش” (نفيه تسوف)، وتسهيل حركة المستوطنين على حساب أراضي المواطنين الفلسطينيين، فضلا عن فرض قيود إضافية على وصول المزارعين إلى أراضيهم المحاذية.
وفي اليوم ذاته، أصدرت سلطات الاحتلال أمرين عسكريين جديدين يقضيان بوضع اليد على ما مجموعه اكثر من هكتار من أراضي محافظة جنين، بذريعة الأغراض العسكرية. ويقضي الأمر الأول بالاستيلاء على 8.645 دونمات (الدونم يساوي 1000 متر مربع) من أراضي بلدة دير أبو ضعيف، شرق جنين، بهدف شق طريق أمني وإقامة منطقة عازلة بطول 1800 متر تحيط بمستوطنة “غانيم”، أطلقت عليه سلطات الاحتلال اسم “المحور المحيطي لغانيم”.
أما الأمر الثاني، فيقضي بوضع اليد على 2.560 دونما من أراضي بلدة قباطية، بهدف شق طريق أمني بطول 500 متر، يُعرف باسم “محور الطوارئ لكاديم”، لخدمة مستوطنة “كاديم”.
وتكمن الخطورة في هذه الأوامر العسكرية في أنها تمهد لربط البنية التحتية للمستوطنتين المذكورتين، اللتين كان الاحتلال الإسرائيلي قد أخلاهما عام 2005، قبل أن يُعدّل “قانون فك الارتباط” ويسمح بعودة المستوطنين إليهما.
وتهدف هذه الإجراءات إلى عزل القرى والبلدات الفلسطينية عن محيطها الزراعي، ورفع احتمالات فرض مناطق عازلة تُقيّد وصول المزارعين إلى أراضيهم المشجرة بالزيتون.
كما أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، في السابع والعشرين من الشهر الماضي، إعلانا جديدا تحت مسمى “أملاك حكومية” (أراضي دولة)، يقضي بالاستيلاء على نحو 370 دونما من أراضي بلدتي أبو ديس وعرب السواحرة، إلى الشرق من مدينة القدس المحتلة.
وطال الإعلان القطع الواقعة في الحوضين الماليين (3 و6)، بما يشمل مواقع الصرارات والمغري والقلعة وسطح الغزال وعرقوب المراح وجبل جورة القطفا وأم ريان، ويعد هذا الإعلان خطوة تكميلية مباشرة لترسيخ وإقامة مستوطنة “مشمار يهودا” الجديدة.
وجاء ذلك بعد أن نشرت سلطات الاحتلال في ديسمبر 2025 مخططا لطاقم ما يسمى “الخط الأزرق”، شمل نحو 3380 دونما في المنطقة ذاتها، لتهيئة البنية التحتية لمشاريعها الاستيطانية في المنطقة.
ويهدد الإعلان بفرض خطر التهجير القسري على العائلات البدوية القاطنة في تلك المنطقة، ويندرج ضمن خطط عزل القدس الشرقية جغرافيا، وتقطيع تواصلها مع امتدادها في الضفة الغربية.
وفي خطوة خطيرة، أصدرت سلطة “الأملاك الحكومية وأملاك الغائبين” لدى سلطات الاحتلال، بتوجيهات من المسؤول عن أملاك الدولة يوسي سيغال، في الثالث من الشهر الجاري، قرارا يقضي بالاستيلاء على 2536 دونما من أراضي قرى بيتللو والمزرعة القبلية ودير عمار، شمال غرب رام الله، وتصنيفها “أملاكا حكومية” (أراضي دولة).
وتشمل الأراضي المستهدفة أحواضا في القرى الثلاث، هي الحوضان الأول والسادس من أراضي بيتللو، والأحواض الثاني والثالث والسادس من أراضي المزرعة القبلية، والحوض الخامس من أراضي دير عمار. وتحيط هذه الأراضي بمستوطنة “كيرم رعيم”، ويهدف القرار إلى إيجاد تواصل جغرافي بين مستوطنات تكتل “تلمونيم”، ومنها “كيرم رعيم” و”نيريا” و”نحليئيل”، وربطها بمستوطنتي “تلمون” و”دوليف”.
وحدّد القرار مهلة 45 يوما، اعتبارا من تاريخ نشره، لتقديم الاعتراضات القانونية على عملية الاستيلاء وتصنيف الأراضي.
ونوّه التقرير إلى أن سلطات الاحتلال تسعى، من خلال هذه الخطوة، إلى الاستيلاء على التلال الاستراتيجية والأودية الفاصلة بين قرى بيتللو ودير عمار والمزرعة القبلية، لإنشاء طوق استيطاني ملتف وخلق حاجز جغرافي يمنع هذه القرى الفلسطينية الثلاث من التوسع العمراني المستقبلي.
وأشار إلى أن الوزير بتسلئيل سموتريتش يؤدي دورا مباشرا ورئيسيا في هذا القرار، حيث تشير التقارير الرسمية والحقوقية الفلسطينية والإسرائيلية إلى أن موجة إعلان الأراضي الفلسطينية “أراضي دولة” تجري بتوجيهات وإشراف مباشر منه منذ توليه منصبه وزيرا في وزارة جيش الاحتلال ومسؤولا عن “مديرية الاستيطان”.
كما افتتح رئيس مجلس مستوطنات شمالي الضفة الغربية، يوسي داغان، مستوطنة “شاليم” الجديدة على أراضي قرية سالم، إلى الشرق من مدينة نابلس، بالتزامن مع انتقال أول 12 عائلة استيطانية إليها، لتكون المستوطنة التاسعة التي تُقام في شمال الضفة الغربية خلال أقل من عام.
وخلال افتتاح المستوطنة، تحدث داغان عن خطة لإقامة 19 مستوطنة في شمال الضفة، بهدف ربط التجمعات الاستيطانية ببعضها.
وتقع مستوطنة “شاليم” على مرتفعات شرق نابلس، على بعد 2.9 كيلومتر عن مستوطنة “ألون موريه”، كما تطل على قرى سالم وبيت فوريك وبيت دجن.
وتتمركز المستوطنة بالقرب من الطريق رقم (555)، وفي محيط مستوطنتي “ألون موريه” و”إيتمار”، ما يضعها ضمن نطاق التجمع الاستيطاني المقام شرق نابلس.
وتشكل المستوطنة تهديدا مباشرا للأراضي الزراعية ومصادر رزق أهالي قرية سالم، التي تبلغ مساحة أراضيها نحو 12 ألف دونم، يقع نحو 8 آلاف دونم منها خلف الشارع الالتفافي، في منطقة تخضع لقيود وسيطرة عسكرية إسرائيلية. ولم تعد الأراضي الزراعية في قرية سالم بمنأى عن تداعيات التوسع الاستيطاني المتسارع، الذي يتخذ أشكالا متعددة، تبدأ بتجريف الأراضي وشق الطرق، مرورا بإقامة البؤر الاستيطانية، وصولا إلى إسكان المستوطنين فيها، في مسار يهدد ما تبقى من الأراضي الزراعية ومصادر رزق الأهالي.
