24 فبراير، 2026
الصفحة الأولى رأي

الافتتاحية- الأزمة أوسع من غرفة الـ”VAR”

تتراكم المؤشرات أسبوعا بعد آخر، وتفرض الوقائع نفسها بإلحاح، حتى لم يعد ممكنا الهروب من السؤال الجوهري: ماذا جرى لبطولة كرة القدم المحترفة في تونس؟ ولماذا تنزلق المنافسة، موسما بعد آخر، من نقاش فني حول الأداء والخطط والنجاعة، إلى سجال صاخب حول التحكيم والاحترازات والتأويلات القانونية؟

و تكشف الأحداث الأخيرة حجم التردي الذي بلغته المسابقة، حين تتصاعد الاحتجاجات على قرارات الحكام، وتتكاثر الطعون والاحترازات، وتتحول الندوات الصحفية إلى منصات تشكيك، ثم يبلغ الاحتقان ذروته بتحطيم أسلاك وتجهيزات تقنية الفيديو ، في مشهد يختزل انكسار صورة البطولة أكثر مما يعكس مجرد حادث عابر. ويضع هذا السلوك الجميع أمام حقيقة مؤلمة، حين يضعف الأداء فوق الميدان، يبحث البعض عن معارك خارج الخطوط.

ولا يمكن اختزال الأزمة في خطأ تحكيمي هنا أو قرار مثير للجدل هناك. بل تفرض القراءة العميقة الاعتراف بأن الأزمة أوسع من غرفة “الفار” وأبعد من صافرة حكم. إذ يفرض المستوى الفني المتواضع نفسه باعتباره جوهر المشكلة. حين يعجز أغلب الفرق عن تقديم نسق لعب مقنع، وحين تتكرر المباريات الباهتة التي تفتقر إلى الإيقاع والابتكار، يصبح من السهل أن تتضخم تفاصيل التحكيم لأن الأصل، أي الفرجة الكروية، غائب أو ضعيف.

ويدفع تراجع الجودة الفنية إلى تضييق هامش التفوق داخل الملعب، فتتقارب المستويات لا لأن الفرق تطورت، بل لأن سقف الأداء انخفض جماعيا. وعندما تحسم المباريات بلقطات معزولة أو أخطاء فردية، يتعاظم أثر القرار التحكيمي، ويصبح قابلا للاستثمار إعلاميا وجماهيريا. وهكذا تنزاح البطولة من تنافس رياضي إلى صراع تأويلي حول كل صافرة.

وتغذي هذه الحالة بيئة إدارية هشة داخل عدد من الأندية. إذ يعمد بعض المسؤولين إلى تصدير الأزمات نحو الخارج كلما تعثرت النتائج، فيحمّلون التحكيم ما لا يحتمل، ويستثمرون غضب الجماهير لامتصاص الضغط الداخلي. وبدل أن تفرض إدارات الفرق مراجعات فنية حقيقية، تفضّل أحيانا خوض معارك بيانات وبلاغات، فتؤجج الشارع الرياضي وتعمق مناخ الشك.

ويساهم الخطاب الإعلامي بدوره في تكريس هذه الدوامة. إذ تسارع بعض المنابر إلى تضخيم اللقطات المثيرة للجدل، وتعيد بثها عشرات المرات، وتستضيف محللين يصدرون أحكاما قاطعة، فيتحول النقاش من تحليل أداء إلى محاكمة نوايا. ومع تكرار هذا المشهد، يترسخ لدى الجمهور انطباع بأن البطولة تُدار في الكواليس أكثر مما تُحسم في المستطيل الأخضر.

ولا يعني هذا إنكار وجود أخطاء تحكيمية، فذلك جزء من اللعبة في كل بطولات العالم. غير أن الفرق الجوهري يكمن في البيئة المحيطة. حين تستند المسابقة إلى قاعدة فنية قوية وإلى ثقة نسبية في الهياكل المنظمة، تمتص المنظومة الصدمات. أما حين تتآكل الثقة وتتراجع الجودة، يتحول كل خطأ إلى دليل إدانة شامل، وكل قرار إلى مادة تعبئة.

ويعكس ما جرى من تخريب تجهيزات تقنية الفيديو مؤشرا خطيرا على انزلاق الصراع من مستوى الاحتجاج المشروع إلى مستوى العبث بالممتلكات العامة والخاصة. إذ يفترض أن تُعتمد تقنية “الفار” لتقليص هامش الخطأ وتحسين العدالة التحكيمية، لكن الاحتقان المحيط بها جعلها في نظر البعض جزءا من المشكلة لا أداة للحل. وهنا تتجلى المفارقة: بدل أن تُستثمر التكنولوجيا لترسيخ الشفافية، تتحول إلى هدف غضب.

كما يفرض ضعف التكوين قاعديا نفسه عاملا بنيويا في التراجع. إذ تراجع الاستثمار في مراكز التكوين، وغابت الرؤية طويلة المدى لصقل المواهب، فانعكس ذلك على نوعية اللاعبين الصاعدين. وحين يندر اللاعب القادر على صنع الفارق، تتكاثر المباريات المغلقة، ويطغى الصراع البدني على الإبداع التقني.

وتدفع هذه العوامل مجتمعة إلى تآكل صورة البطولة خارجيا. إذ تتابع الجماهير العربية والأفريقية ما يجري، فتتكون لديها صورة عن مسابقة يطغى عليها الجدل أكثر مما يميزها الأداء. ويؤثر هذا الانطباع على جاذبية البطولة تسويقيا، ويضعف قدرتها على استقطاب مستثمرين أو عقود بث أفضل.

ويفرض الواقع الحالي مراجعة شاملة لا تقتصر على الجانب التحكيمي. إذ ينبغي أن تُفتح ورشة إصلاح تمتد من الحوكمة داخل الأندية إلى منظومة التسيير على مستوى الجامعة والرابطة، مرورا بإعادة الاعتبار للتكوين والتأطير. فلا يمكن معالجة أزمة مركبة بأداة واحدة.

وتقتضي المعالجة كذلك إعادة ضبط الخطاب. إذ يفترض أن يلتزم المسؤولون بخطاب عقلاني يهدئ النفوس بدل أن يؤججها، وأن تتحمل المنابر الإعلامية مسؤوليتها في ترشيد النقاش. فالكلمة، في سياق محتقن، قد تدفع إلى الانفجار أو تسهم في الاحتواء.

وتستدعي المرحلة تعزيز الشفافية في إدارة المسابقة. فكلما توفرت المعطيات بوضوح، وجرى تفسير القرارات بموضوعية، تقلصت مساحة الإشاعة. ويمكن أن يسهم نشر تسجيلات تقنية الفيديو في حالات الجدل الكبرى، وفق ضوابط واضحة، في إعادة بناء الثقة تدريجيا.

غير أن الإصلاح الأهم يظل فنيا. إذ يجب أن تُستعاد قيمة العمل اليومي داخل الملاعب، وأن يُعاد الاعتبار للمدرب الذي يبني مشروع لعب متكاملا، وللاعب الذي يجتهد لتطوير أدائه، لا لمن يتقن الاحتجاج أو استعراض الغضب. فالبطولة لا تستعيد بريقها بقرارات إدارية فحسب، بل تستعيده حين تعود المباريات ممتعة وقادرة على جذب الجمهور.

ويضع هذا المنعطف كرة القدم التونسية أمام خيارين: إما أن تواصل الانحدار في دوامة الاتهامات والاحتقان، فتفقد ما تبقى من رصيدها الرمزي، أو أن تفرض على نفسها وقفة شجاعة تعترف بالخلل وتباشر الإصلاح. ولا يمكن أن يتحقق الخيار الثاني إلا بإرادة جماعية تتجاوز الحسابات الضيقة.

Related posts

اليوم ارتفاع نسبي في الحرارة

صابر الحرشاني

صادق عليها البرلمان…صيغة جديدة لتسوية الديون الجبائية

صابر الحرشاني

البنك الدولي يعلن استعداده لمساعدة تونس لتطوير قطاع النقل

صابر الحرشاني

Leave a Comment