13 أبريل، 2026
اقتصاد الصفحة الأولى

الجباية العادلة….اولى الاوليات

تمثّل الجباية إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، فهي العمود الفقري لميزانية الدولة، وأداة لضمان توزيع الأعباء والموارد بشكل عادل بين مختلف الفئات الاجتماعية. غير أن الحديث عن الجباية لا يكتمل دون التطرّق إلى مسألة العدالة الجبائية.

وباعتبارها الشرط الجوهري لضمان استقرار المجتمع وتحفيز عجلة النمو الاقتصادي  أثبتت التجارب عبر التاريخ أن غياب العدالة الجبائية يؤدي إلى اختلالات كبرى، تضعف ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، وتدفعه إلى التملص أو التمرّد على المنظومة بأكملها، ففي حين تُرهَق بعض الفئات بكاهل ضرائبي ثقيل، تحظى فئات أخرى بإعفاءات أو امتيازات، مما يخلق شعورا بالغبن ويؤجج التوترات الاجتماعية ويهدد السلم الأهلي.

ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى إصلاحات عميقة وجريئة، تقوم على ترسيخ مبدأ الجباية العادلة كخيار وطني لا رجعة فيه. فدون عدالة جبائية حقيقية، لا يمكن الحديث عن مجتمع متوازن أو دولة قوية قادرة على توفير الخدمات الضرورية لمواطنيها، من صحة وتعليم ونقل وعدالة وأمن اجتماعي.

وبما أن الإعداد لقانون المالية لسنة 2027 يفترض ان يكون قد بدأ مع نهاية الثلاثية الاولى للعام الجاري، فإن أمام الحكومة متسعًا من الوقت لوضع تصورات واقعية لتحقيق العدالة الجبائية، حتى يكون جميع التونسيين سواسية أمام واجب الضريبة. إذ لا يُعقل أن يتحمل الأجراء والموظفون، كل شهر، العبء الأكبر من الجباية فقط لأن عملية الاقتطاع تتم آليا ومباشرة من أجورهم، في حين ينعم آخرون بدفع ضريبة ضعيفة أو أحيانًا بالتهرب الكامل من دفعها.

كما لا يُعقل أن يتساوى الفقير والغني في دفع معلوم الأداء على القيمة المضافة والمعلوم على الاستهلاك والمعاليم الديوانية وغيرها من الضرائب الأخرى التي تشمل كل السلع والخدمات دون استثناء، ولا تأخذ بعين الاعتبار دخل الأشخاص أو وضعيتهم الاجتماعية،فالعامل البسيط وصاحب الدخل المرتفع يدفعان نفس الأداء عند شراء مادة غذائية أو قطعة ملابس أو علبة دواء، في مشهد صارخ لغياب مبدأ الإنصاف الجبائي.

و كثيرا ما يتم اختزال الجباية في بعدها المالي المحض، باعتبارها موردا لملء خزائن الدولة، غير أن هذه النظرة القاصرة تغفل عن الأبعاد العميقة للجباية في بناء العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها. فالجباية العادلة تكرّس المواطنة الفاعلة، فحين يشعر الجميع بأنهم يتحملون نصيبهم العادل من الأعباء العامة مقابل خدمات عمومية ذات جودة تضمن لهم حياة كريمة. في المقابل، فإن الشعور بالظلم الجبائي أو غياب العدالة يدفع الأفراد إلى الانكفاء عن أداء واجباتهم أو اللجوء إلى الاقتصاد الموازي.

وتواجه عديد القطاعات، خاصة بعض المهن الحرة والأنشطة التجارية والخدماتية، اتهامات بدفع ضرائب ضعيفة مقارنة بما تحققه من أرباح كبيرة، وقد يصل الأمر حدّ دفع ضرائب تعادل أو تقل عن تلك التي يدفعها صاحب أجر متواضع، وهو ما يتناقض مع كل مبادئ العدالة الجبائية والإنصاف الاجتماعي. الأخطر من ذلك أن كثيرين ينجحون في الإفلات من دفع الضريبة عبر وسائل متعددة، تتراوح بين التلاعب بالتصاريح والدخل الحقيقي، واستغلال الثغرات القانونية، وصولًا إلى الرشوة والفساد. وهو ما ينطبق أيضًا على القطاع الموازي الذي يحقق أرباحًا طائلة دون أن تقدر الدولة إلى اليوم على دمجه ضمن القطاع المنظم رغم توفر الإمكانات لذلك، في وقت نجحت فيه دول أخرى، بعضها أقل إمكانيات، في تحقيق نتائج مهمة.

و تقوم العدالة الجبائية أساسا على مبدأين رئيسيين: المساواة أمام الضريبة والتصاعدية، أي أن يخضع الجميع للقواعد نفسها بحسب مقدرتهم الاقتصادية، وأن يدفع القادر أكثر مما يدفع غير القادر وفق نسب مدروسة وعادلة، حيث انّ هذان المبدآن يضمنان حماية الطبقات الضعيفة والمتوسطة، دون إثقال كاهل أصحاب المبادرات والمستثمرين الذين يعدّون محركًا أساسيًا للنمو الاقتصادي.

وفي هذا السياق، تصبح مراجعة جداول الضرائب، وتحسين وسائل تقييم المداخيل، ومكافحة التهرب الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية، أولويات وطنية قصوى لا تقبل التأجيل، فكل تأخير في هذا المجال يعني مزيدًا من تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وزيادة الفوارق بين المواطنين.

و تبدو الإدارة التونسية، رغم كل التحديات، تملك من الكفاءات البشرية والوسائل التكنولوجية الحديثة ما يمكنها من وضع آليات تحقق المساواة الجبائية الحقيقية، كاعتماد الرقمنة لمراقبة المداخيل والمصاريف، وتحسين الشفافية الجبائية، وتشجيع المؤسسات الملتزمة بالتصريح الصحيح عبر آليات تحفيزية، إلى جانب سنّ إجراءات فعالة لإدماج القطاع الموازي ضمن القطاع المنظم تدريجيا.

ولا يمكن الحديث عن جباية عادلة دون أن ترتبط هذه الجباية بتحسين الخدمات العمومية وجودتها، إذ لا معنى لتحميل المواطنين أعباء ضريبية مرتفعة مقابل خدمات متردية. فالجباية العادلة ليست فقط مطلبًا ماليًا بل هي قبل كل شيء مسألة ثقة بين المواطن والدولة، ومسألة شفافية وحوكمة رشيدة.

وتحتاج تونس اليوم إلى عدالة جبائية حقيقية، يتساوى أمامها أصحاب الدخل الضعيف وأصحاب المداخيل الكبرى والثروات، و تحقيق هذا الهدف النبيل يتطلب إعدادا جيدا لقانون المالية القادم، وفق ما أكده رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال لقائه الأخير برئيسة الحكومة ووزيرة المالية، حين شدد على “منح الأولوية القصوى للجانب الاجتماعي مع اعتماد جباية عادلة تحقق العدالة والإنصاف المنشودين.”

و في نهاية المطاف، تبقى الجباية العادلة مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة والمواطنون والمجتمع المدني. ولا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا من خلال تفاعل وطني شفاف وصريح يُطرح فيه ملف الجباية بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو الشعارات.

Related posts

اليوم احياء عيد الثورة

صابر الحرشاني

تونس تسدد ما يناهز 18،1 مليار دينار قيمة إصداراتها على السوق المالية الدوليّة

Na Da

اليوم: انطلاق صرف جرايات تقاعد منظوري صندوق الضمان الإجتماعي

Na Da

Leave a Comment