25.2 C
تونس
8 يونيو، 2026
الصفحة الأولى عالمية

خطة بريطانية – فرنسية لتأمين “هرمز”: أوروبا تريد دورا في الامن البحري

بعد أشهر من إغلاقه إثر شنّ الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانهما الأخير على إيران، تقود بريطانيا وفرنسا اتصالات مُكثّفة لترتيب مهمّة دولية تستهدف تطهير مضيق هرمز من الألغام البحرية، التي تتّهم الدول الغربية «الحرس الثوري الإيراني» بزرعها في الممرّ البحري الذي تَعبره نسبة حيوية من تجارة العالم من النفط والغاز المُسال. ووفقاً للترتيبات التي يجري تداولها في كواليس دوائر التخطيط الدبلوماسي والعسكري، تسعى لندن وباريس إلى قيادة تحالف يضمّ خمس عشرة دولة، مع توزيع واضح للأدوار الأساسية بين البحرية الملكية البريطانية والبحرية الوطنية الفرنسية. ومن المُفترض أن تتولّى القطع المشاركة مسح القاع البحري، وتحديد المواقع الخطرة، وفتح ممرّات آمنة أمام السفن التجارية، بينما تأخذ وحدات حماية جوية وبحرية على عاتقها تأمين عمل فرق المسح والتطهير. على أن هذه المهمّة سيكون مسرحها بيئة متّسمة بكثافة المخاطر، وبحضور عسكري إقليمي ودولي، وهو ما يجعلها خاضعة لحسابات دقيقة تتّصل بسلامة الطواقم، وبمستوى التنسيق السياسي مع واشنطن وطهران والعواصم الخليجية المعنيّة.

وتأتي هذه المبادرة في أعقاب سيطرة الجانب الإيراني على حركة العبور في «هرمز»، واحتجاز ما يقرب من 1500 من سفن الشحن داخل حوض مياه الخليج. كما تأتي وسط حالة ترقّب بين شركات الملاحة وملّاك السفن وشركات التأمين، الذين بات استئناف الحركة التجارية بالنسبة إليهم مرتبطاً بوجود ضمانات أمنية ملموسة، وبممرّات بحرية ممسوحة تقنياً، وبغطاء عسكري قادر على التعامل مع تهديدات الألغام والطائرات المُسيّرة والصواريخ والقوارب السريعة، وأيّ احتكاك محتمل بين القوى المنتشرة في المنطقة.
ويقول خبراء إن التحرّك البريطاني – الفرنسي يعكس إدراكاً أوروبياً متنامياً لحقيقة أن أمن الخليج تجاوز في هذه المرحلة حدود الاعتماد التقليدي على القدرات الأميركية وحدها، وأن أوروبا، بوصفها مستورداً رئيساً للطاقة ومركزاً صناعياً وتجارياً حسّاساً تجاه اضطراب الإمدادات، تحتاج إلى حضور عملياتي مباشر في ملف يؤثّر في أسعار الوقود وتكاليف النقل والتضخّم وحركة الأسواق. ولهذا، لا تخلو المبادرة، بحسب مراقبين، من رغبة في تثبيت دور أوروبي أوسع في هندسة أمن الممرّات البحرية، وذلك في لحظة يتزايد فيها الحديث داخل «حلف شمال الأطلسي» و«الاتحاد الأوروبي» عن تقاسم أعباء الدفاع وحماية المصالح الاستراتيجية خارج الحدود القارية.
وتشير التحرّكات الميدانية الأوّلية إلى أن لندن بدأت بالفعل ترتيب جانب من الحضور البحري المطلوب، وذلك بعدما دفعت بسفينة مساعدة تابعة للأسطول الملكي من قاعدة جبل طارق في اتّجاه الشرق الأوسط. والسفينة المذكورة مُزوَّدة بمنظومات مسح ذاتية التحكّم، قادرة على رصد الأجسام الخطرة في القاع البحري، وتحديد مواقع الألغام المحتملة تمهيداً لتفكيكها أو تفجيرها ضمن نطاق آمن؛ ويندرج الدفع بهذه القطعة ضمن حزمة دعم أوسع ستشمل مقاتلات «تايفون» ومدمّرة تابعة للبحرية الملكية وأنظمة مُخصّصة لمواجهة الطائرات المُسيّرة، بما يسمح بتشكيل مظلّة حماية للقوات الفنية التي ستعمل في بيئة بحرية مُعقّدة، حيث يتداخل الخطر تحت السطح مع تهديدات جوية وساحلية فوقه.

وفي باريس، ينظر المخطّطون العسكريون إلى الملف بوصفه اختباراً لقدرة بلادهم على توظيف خبرتها البحرية وحضورها في الشرق الأوسط ضمن جهد مشترك مع بريطانيا، خصوصاً أن البلدَين يمتلكان تقاليد طويلة في العمليات ما وراء البحار، وفي إدارة مهمّات متعدّدة الجنسيات. كما يتيح التنسيق بينهما توفير قيادة أوروبية واضحة للعملية، تتولّى تبادل معلومات استخباراتية دقيقة حول خرائط الألغام ومناطق الخطر وأنماط حركة السفن الإيرانية والقوى الحليفة لها، إضافة إلى ترتيبات اتّصال ميداني تقلّل احتمالات سوء التقدير.
بدورها، تناور الذراع الدبلوماسية لـ«المفوّضية الأوروبية» لتوسيع تفويض مهمة «أسبيدس» البحرية القائمة في الشرق الأوسط، بحيث تصبح قادرة على الاضطلاع بدور رئيس في إزالة الألغام وتأمين المرور عبر «هرمز» – عند توفّر الظروف السياسية والميدانية المناسبة -. ويأتي هذا المُقترح في إطار سعي بروكسل إلى تحويل الجهد العسكري الأنجلوفوني إلى إطار أوروبي ودولي يحظى بشرعية أوسع، ويتيح مشاركة دول تمتلك قدرات متخصّصة في المسح البحري واللوجستيات والحماية الجوية، إضافة إلى دول تملك مصلحة اقتصادية مباشرة في عودة الملاحة عبر المضيق. وتكشف تقارير صحافية عن نقاشات جارية في واشنطن بهذا الشأن، تتعلّق بحجم الدور الأميركي، وحدود الاعتماد على القدرات الأوروبية في عمليات صيد الألغام. فالجيش الأميركي يواجه ضغطاً عملياتياً مرتبطاً بتراجع عدد القطع المتخصّصة لديه في هذا المجال، وذلك مع اقتراب آخر كاسحات الألغام الخشبية من فئة «أفينجر» من التقاعد، والاعتماد المتزايد على سفن القتال الساحلي المُجهّزة بحزم تقنية قابلة للتكييف مع مهامّ مكافحة الأخطار تحت سطح مياه البحر. وفي السياق، كان لافتاً انتقاد وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، أمام «الكونغرس»، المبادرة البريطانية – الفرنسية، وتحديداً لناحية رهنها بانتهاء الأعمال العدائية، ما يضعها في موقع الانتظار.
ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أن المشاركة الأوروبية تحمل فائدة استراتيجية واضحة لها، كونها تنقل جزءاً من العبء المالي والعسكري إلى الحلفاء الأكثر تأثّراً باضطراب إمدادات الطاقة، كما تمنح إدارة دونالد ترامب فرصة لإعادة ضبط حضورها في الخليج ضمن معادلة تتوزّع فيها المسؤوليات بين جانبَي الأطلسي، خاصة مع صعود أولوية المحيطَين الهندي والهادئ في التفكير الاستراتيجي الأميركي. وفي المقابل، ترى العواصم الأوروبية أن الأزمة الراهنة كشفت حدود الاعتماد الكامل على واشنطن في إدارة أمن الطاقة، في وقت بات فيه بناء قدرة أوروبية مشتركة في حماية الملاحة جزءاً من النقاش الأوسع حول الاستقلالية الاستراتيجية والقدرة على التصرّف عند تقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية.

وتزداد حساسية المبادرة الفرنسية – البريطانية بسبب الجمود السياسي في القنوات الدبلوماسية المرتبطة بإنهاء الأعمال العدائية؛ إذ ما زالت إيران تتمسّك بمطالب سياسية واقتصادية تتّصل بالعقوبات وبترتيبات الأمن الإقليمي والملف النووي وبحقّها في إدارة المياه القريبة من سواحلها، في حين تركّز الدول الغربية على حرية الملاحة وضرورة ضمان عبور السفن التجارية. ويجعل هذا التباين خطّة التطهير البحرية مرتبطة بتسوية سياسية أوسع تسبق أيّ انتشار كبير للقوات المُكلَّفة بالمسح والتفكيك.
وتسعى لندن وباريس، عبر اتصالات في الأمم المتحدة ومع عواصم كبرى، إلى توسيع دائرة التأييد للمبادرة وحشد عشرات الدول حولها، وذلك بهدف توفير غطاء سياسي وقانوني يمنح العملية طابعاً جماعياً، ويُطمئِن شركات الشحن والتأمين إلى أن عودة الملاحة ستتمّ ضمن ترتيبات مراقبة وحماية يمكن الوثوق بها. كما تتضمّن الخطة إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع السلطات الإيرانية لإدارة المسائل العملياتية وتجنّب الاحتكاك، خصوصاً أن إيران أبدت رغبة في تولّي مهمّة تنظيف الممرّ بنفسها، باعتبارها الدولة المطلّة على جزء أساسي منه، وهو طرح تُقابِله الدول الأوروبية بتأكيد الحاجة إلى إشراف دولي يضمن الحياد الفني ويعيد الثقة إلى شركات الملاحة.
ويعكس الخلاف حول الجهة التي ستشرف على تطهير المضيق، الصراع الأوسع حول السيادة والنفوذ وأمن الطاقة في الخليج؛ فإيران تريد إثبات قدرتها على إدارة الأمن البحري في محيطها القريب، بينما تخشى القوى الغربية من تحويل عمليات التطهير إلى ورقة تفاوضية تؤثّر في حركة التجارة العالمية مستقبلاً. أمّا شركات الشحن فتتعامل مع المسألة من زاوية عملية مباشرة؛ إذ هي تحتاج إلى ممرّات محدّدة وخالية من الألغام، إضافة إلى عمليات مرافقة وتغطية تأمينية مقبولة. وتلك شروط تجعل التحالف الدولي بقيادة أوروبية خياراً أكثر طمأنة بالنسبة إلى كثير من المشغّلين البحريين.

وتتجه الأنظار تالياً إلى قمة مجموعة الدول السبع، المُقرّرة في مدينة إيفيان الفرنسية بين 15 و17 جوان الحالي، حيث يُتوقّع أن تطرح بريطانيا وفرنسا تفاصيل إضافية عن خطّتهما الفنية والمالية، وأن تطلبا دعماً سياسياً ولوجستياً من شركاء دوليين لتسريع الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ عند ظهور نافذة سياسية مناسبة. وعلى أيّ حال، فإن نجاح المبادرة الأنجلوفونية يظلّ رهين ثلاثة شروط مترابطة: قدرة التحالف على توفير معدّات مُتخصّصة وفرق مُدرّبة، قدرة الدبلوماسية على تأمين تفاهمات مع الجانبَين الأميركي والإيراني تمنع الاحتكاك، وقدرة الأسواق على استعادة الثقة في مسار العبور عبر المضيق. وبين هذه الدوائر، تتحوّل قضية الألغام في «هرمز» إلى اختبار لوزن أوروبا في إدارة الأزمات، ولقدرة الغرب على التضامن لحماية ممرّ بحري تأكّد أنه يشكّل أحد مفاتيح الاقتصاد العالمي.

Related posts

ليبيا : توقعات بتأجيل الإنتخابات الرئاسية

root

زلزال تركيا و سوريا : ارتفاع عدد الضحايا و عمليات الانقاذ متواصلة

yosra Hattab

كوريا الشمالية تندد بالهجوم الأمريكي على إيران

صابر الحرشاني

Leave a Comment