6 مايو، 2026
وطنية

نحو إصلاح شامل للتربية والتعليم: رئيس الجمهورية يشدّد على الانطلاق في مسار تصحيحي وطني متكامل

أشرف رئيس الجمهورية قيس سعيّد، على اجتماع رفيع المستوى التأم بقصر قرطاج، ضمّ عددا من أعضاء الحكومة المعنيّين بمجالات التربية والتعليم والتكوين والشباب والثقافة والدين والأسرة. وضمّ اللقاء كلا من السادة نور الدين النوري وزير التربية، ومنذر بلعيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ورياض شوّد وزير التشغيل والتكوين المهني، والصادق المورالي وزير الشباب والرياضة، وأحمد البوهالي وزير الشؤون الدينية، والسيّدتين أسماء الجابري وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ، وأمينة الصرارفي وزيرة الشؤون الثقافية.

وقد خصّص الاجتماع لبحث سبل وضع أسس إصلاح شامل لمنظومة التربية والتعليم، من خلال مقاربة وطنية موحّدة تتجاوز الإصلاحات الجزئية السابقة وتقطع مع التجارب المتعثّرة التي راكمت إخفاقات أثّرت سلبًا على أجيال متعاقبة من التلاميذ والطلبة.

مجلس أعلى للتربية والتعليم: تجسيد لرؤية دستورية

في مستهلّ الاجتماع، شدّد رئيس الجمهورية على رمزية التنصيص في الدستور الجديد على إنشاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم، مؤكّدًا أن هذا الاختيار لم يكن اعتباطيًا بل نابعًا من قناعة وطنية عميقة بكون معركة التحرر الحقيقي تمرّ ضرورة عبر جبهة التربية والتعليم.

وأوضح رئيس الدولة أنّ هذا المجلس ليس مجرّد هيكل إداري بل هو تجسيد لإرادة شعبية عارمة في أن يكون التعليم الوطني أداة للتحرّر الفكري والاجتماعي، مشيرًا إلى أنّ المرحلة الراهنة تستدعي قرارات جريئة ورؤية استراتيجية تنطلق من الحاضر لبناء مستقبل مختلف، يؤسَّس على الإنصاف في فرص التعليم، وعلى جودة المضامين، وعلى نجاعة المخرجات.

مراجعة تاريخية واستشراف للمستقبل

وأعاد رئيس الجمهورية التذكير بمحطّات بارزة في تاريخ تونس التعليمي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ملاحظًا أن تلك المحطّات الإصلاحية، رغم اختلاف سياقاتها، كانت دومًا مرتبطة بإرادة التحرّر والنهضة. لكنه نبّه إلى أنّ السنوات الأخيرة شهدت انحرافات في السياسات التعليمية أدّت إلى نتائج كارثية، منها توسيع الفوارق بين الفئات الاجتماعية، وتفشي ظواهر الهدر المدرسي، وارتفاع نسب البطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا.

وفي هذا الإطار، شدّد رئيس الجمهورية على أنّه لا مجال لإصلاح جزئي أو مجتزأ، لأن أي محاولة لعزل مرحلة تعليمية عن أخرى أو معالجة قطاع دون سواه تؤدّي إلى فشل الإصلاح بأكمله. فالإصلاح، بحسب تعبيره، يجب أن يكون شاملاً لكلّ المراحل والقطاعات التعليمية، من الطفولة المبكّرة إلى التعليم العالي، مرورًا بالتكوين المهني، ودُور الثقافة والشباب، والمنظومات الموازية.

لا مكان للأخطاء: إصلاح دقيق وحذر

وحذّر رئيس الدولة من خطورة الوقوع في أخطاء منهجية أو تطبيقية أثناء صياغة الإصلاح، مشيرًا إلى أنّ أي هفوة، حتى وإن بدت بسيطة، قد تخلّف آثارًا بعيدة المدى لا تُصحَّح بسهولة، وقد تُنتج أجيالًا من الضحايا الذين يُسلب منهم حقّهم في التحصيل العلمي والعمل الكريم.

كما شدّد على أن الإصلاح ليس مجرّد شعارات أو آمال مؤجلة، بل هو ضرورة وطنية عاجلة تقتضي قرارات دقيقة وعادلة، تتوجّه أساسًا إلى معالجة آثار السياسات السابقة، ورفع الحيف عن المتضرّرين منها، واستعادة الثقة في المدرسة العمومية كمصعد اجتماعي وأداة لبناء الذات والمجتمع.

 نحو منظومة متكاملة: الثقافة، الشباب، والقيم

ولم يغفل رئيس الجمهورية، خلال هذا اللقاء، عن التطرّق إلى الأبعاد الثقافية والتربوية والقيمية التي يجب أن ترافق الإصلاح، مؤكّدًا أنّ العملية التعليمية لا تقتصر على التلقين والتحصيل داخل الفصول بل تشمل منظومة متكاملة من الأنشطة التربوية والثقافية والفكرية، في دور الثقافة، ودور الشباب، والمكتبات العمومية، وغيرها من الفضاءات التي يجب أن تتحوّل إلى مصانع للأفكار والإبداع.

وأوضح في هذا الصدد أنّ الفكر الوطني الحرّ هو المقدّمة الطبيعية لأي إبداع حقيقي، داعيًا إلى تشجيع الناشئة على التفكير النقدي، وحثّهم على التعبير، والابتكار، والانخراط في الحياة العامة من موقع المواطنة الواعية. وأكّد أن الدولة مطالبة بتوفير كلّ الظروف الملائمة لذلك، من خلال سياسات عمومية عصرية، قريبة من الواقع، ومتّسقة مع حاجيات الشباب وتطلّعاتهم.

 إرادة جماعية وانخراط شامل

ودعا رئيس الجمهورية في ختام الاجتماع إلى بلورة رؤية وطنية جامعة، يشارك في صياغتها كلّ الفاعلين المعنيّين من وزارات ومؤسسات وجامعات ومجتمع مدني، وذلك حتى يكون الإصلاح التربوي مسؤولية جماعية لا محصورة في جهة بعينها.

وشدّد على أنّ تونس قادرة على خوض هذا التحدّي بنجاح إذا ما توفّرت الإرادة السياسية، والرغبة الصادقة، والتنسيق الفعّال بين كلّ الأطراف، مؤكدًا أنّ مستقبل البلاد يمرّ عبر المدرسة، والجامعة، ومراكز التكوين، وكلّ فضاء ينشر العلم والمعرفة ويغرس في النفوس القيم والمبادئ.

فالإصلاح المنتظر ليس فقط ضرورة تعليمية بل هو مشروع وطني بامتياز، مشروع لتحرير العقول، وردّ الاعتبار للمؤسسة التربوية، وبناء مجتمع يرتكز على العلم والعمل والمساواة.

وبهذا، يُفتَح الباب نحو مرحلة جديدة في تاريخ التعليم التونسي، تكون فيها المدرسة مصنعًا للحرية لا مجرّد فضاء للتلقين، وتكون فيها كلّ مؤسسة تربوية منارة تبني الإنسان والمستقبل.

Related posts

المركز الثاني في تحدي القراءة العربي دبي 2022 للتونسي أدم القاسمي

yosra Hattab

هذا موعد تركيز المجالس المحلّية

محمد بن محمود

رئيس الجمهورية ينهي مهام وزيرة الصناعة

محمد بن محمود

Leave a Comment