أكّدت لجنة متابعة وضعية هضبة سيدي بوسعيد دقة الوضع الجيولوجي للهضبة ما بات يفرض إلى جانب المعاينات الفنية اتخاذ جملة من الاجراءات العاجلة.
وقد أكدت اللجنة في جلسة انعقدت مؤخرا باشراف وزير الفلاحة عز الدين بالشيخ أن الانزلاقات الحاصلة في الهضبة قديمة لكنها تتفاقم بفعل العوامل الطبيعية و الجيولوجية وقررت القيام بمعاينة فنية معمقة و اعداد الخطوط المرجعية و الاسراع في اتخاذ الاجراءات اللازمة.
تُعدّ هضبة سيدي بوسعيد من أبرز المعالم التاريخية والمعمارية في تونس، نظرا لموقعها الفريد المطلّ على خليج تونس وطابعها المعماري الأندلسي الساحر، مما جعلها وجهة مفضلة للزوار والفنانين على مر العقود.
وقد تقدّمت الحكومة بطلب لإدراج الموقع ضمن لائحة التراث العالمي لليونسكو، لما يكتسيه من قيمة ثقافية وجمالية عالمية، واليوم، أمام التهديدات الجيولوجية المتزايدة، يصبح من الضروري التسريع في تنفيذ التدخلات الفنية والبيئية الكفيلة بإنقاذ هذا الموقع التاريخي الفريد من الخطر المحدق به.
تهديدات جدية
و تواجه هضبة سيدي بوسعيد، أحد أبرز المعالم الطبيعية والتاريخية في تونس، تهديدات جدية بسبب الانزلاقات الأرضية التي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة، وتعود أسباب هذه الظاهرة إلى عدة عوامل طبيعية وبشرية، أبرزها الانجراف البحري الذي أدى إلى تآكل قاعدة الهضبة من الأسفل، ما أضعف بنيتها الجيولوجية.
كما أن طبيعة التربة الطينية الرخوة تجعل المنطقة أكثر هشاشة أمام تأثيرات العوامل المناخية، خاصة الأمطار الغزيرة في بعض السنوات التي ساهمت في تشبّع التربة بالمياه، مما ادى في تواريخ معينة تدريجياً إلى انزلاقها نحو الأسفل.
كما يساهم البناء العشوائي وغير المرخّص فوق الهضبة في تفاقم الوضع، بسبب غياب دراسات مسبقة تأخذ بعين الاعتبار استقرار التربة.
ورغم تنفيذ تدخلات جزئية بين 2002 و2004 للحدّ من مخاطر الانزلاق، فإنّ هذه الجهود لم تكن كافية، ما استوجب تدخّلاً جديداً. وقد شرعت الوكالة الوطنية لحماية الشريط الساحلي في إعداد دراسة معمّقة تشمل حلولاً فنية مثل دعم الهضبة بجدران حجرية، وتركيز شبكات حماية، وتشجير المناطق الحساسة، بهدف تأمين الموقع والحفاظ على قيمته الطبيعية والثقافية.
اهمية استعجال التدخل
و أصبح التدخل العاجل لحماية هضبة سيدي بوسعيد ضرورة ملحة، لا لحماية موقع طبيعي وتاريخي فريد فحسب، بل أيضاً لتفادي كارثة بيئية وعمرانية وشيكة، ذلك ان الانزلاقات الأرضية المتكررة، الناجمة عن تآكل التربة وتسرب المياه والبناء العشوائي، تهدد استقرار المنطقة برمتها، بما في ذلك معالمها الثقافية ومساكن المتساكنين.
وقد يكون التأخير في اتخاذ إجراءات تقنية عاجلة سببا تفاقم الوضع، ما يصعب من عمليات الترميم والتدعيم مستقبلاً، ويرفع من كلفتها، وتؤكد المعاينات الميدانية أن خطر الانهيار لم يعد مجرد فرضية، بل احتمال واقعي يستوجب التعاطي معه بجدية في المستقبل القريب و بات من الضروري توفير الاعتمادات اللازمة، وتفعيل التنسيق بين مختلف المتدخلين من وزارات وهيئات فنية ، لضمان إنجاز أشغال التدعيم على أسس علمية مدروسة على اعتبار ان الحفاظ على سيدي بوسعيد لا يندرج فقط ضمن حماية التراث، بل هو أيضاً حماية للأرواح والممتلكات ومقوّمات الجذب السياحي والثقافي للبلاد.
اي حلول ؟
و ازاء هذا الوضع و امام الحاجة الملحة الى التدخل يتضح ان الحل يأتي ضمن خطة تطبق على مراحل يسبق فيها المستعجل الاجراءات متوسطة الامد، ولحماية هضبة سيدي بوسعيد ،يجب اعتماد حلول عاجلة تأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الجيولوجية والمعمارية والثقافية للمكان.
ويدعو خبراء جيولوجيين الى التسريع بتركيز جدران داعمة صخرية في النقاط الأكثر هشاشة، باستخدام حجارة محلية تتماشى مع الطابع المعماري التقليدي للمنطقة بالتوازي مع تثبيت شبكات معدنية وقائية فوق المساحات المهددة بالانزلاق لمنع انهيار الكتل الترابية، وهو إجراء يمكن تنفيذه دون التأثير على الطابع الجمالي للموقع
و تتصاعد الدعوات الى وضع حد للبناء العشوائي ، ومراجعة رخص البناء في المنطقة الحساسة و إطلاق حملة لإصلاح شبكات الصرف القديمة لمنع تسرب المياه نحو الطبقات السفلية.
كما يدعو خبراء المناخ في عدد من الدراسات الى ي إنجاز مشروع تشجير مدروس بأشجار متأقلمة مع التربة، مثل الزيتون والتين، لدعم التماسك الترابي معتبرين ان كل هذه التدخلات قابلة للتنفيذ على المدى القريب، وتُحترم فيها الخصوصية التاريخية والمعمارية لسيدي بوسعيد دون طمس هويته.
وإلى جانب التدخلات العاجلة، توجد حلول استراتيجية على المدى المتوسط والبعيد تضمن استدامة حماية هضبة سيدي بوسعيد، من أبرزها إرساء نظام مراقبة مستمر لحركة التربة والانزلاقات عبر محطات استشعار، وإنشاء قاعدة بيانات رقمية لرصد التغيرات الجيولوجية. كما يمكن إعداد مثال تهيئة عمرانية خاص بالهضبة يحدد بوضوح المناطق الممنوع فيها البناء أو التوسعة. ويُعد إقرار منظومة تشريعية تحفّز على الترميم المعماري الواعي والمطابق للمعايير من بين الآليات الناجعة.
و بنحو عام، تُعدّ هضبة سيدي بوسعيد من الرموز الحية لذاكرة التونسيين، والحفاظ عليها مسؤولية مشتركة تتطلب عملاً جديا وتنسيقا فعليا بين كل الأطراف.
