8 مايو، 2026
الصفحة الأولى سياسة

بين الاحتجاج و الصورة العامة…كيف يستعيد النواب ثقة المواطنين؟

صابر الحرشاني

يتصاعد في الآونة الأخيرة صوت عدد من النواب الرافضين لما يعتبرونه تشويها ممنهجا لصورتهم لدى الرأي العام، خاصة عبر اتهامات متكررة تتعلق بالتحصن بالحصانة البرلمانية للإفلات من المساءلة أو التهرب من المحاسبة.

ورغم اختلاف الآراء حول مدى دقة هذه الاتهامات، فإن الإشكال الحقيقي يتجاوز مجرد نفيها أو تأكيدها، ليطرح سؤالا أعمق حول صورة المؤسسة التشريعية في الوعي الجماعي، وكيف يمكن للنواب أنفسهم العمل على إعادة بنائها بشكل عملي وهادئ، بعيدا عن الخطابات الانفعالية أو ردود الفعل المتشنجة.

 

ترسبات الماضي

 

لقد ترسخت لدى جزء مهم من المواطنين صورة سلبية عن البرلمانات السابقة، ارتبطت أساسا بسلوكيات معينة، من بينها ضعف الحضور، وقلة المبادرة التشريعية، والانخراط في صراعات سياسية حادة غلبت عليها الحسابات الضيقة.

ولم تأت هذه الصورة من فراغ، بل تشكلت عبر تراكمات زمنية وتجارب متكررة، جعلت من الصعب على أي مجلس نيابي جديد أن ينطلق من أرضية بيضاء. ومن هنا، فإن التحدي المطروح اليوم أمام النواب لا يتمثل في الدفاع عن أنفسهم فحسب، بل في تفكيك تلك الصورة وإعادة تشكيلها من خلال الممارسة اليومية.

وفي هذا السياق، يبدو أن الاحتجاج وحده لا يكفي، بل قد يأتي بنتائج عكسية إذا لم يقترن بسلوك عملي يثبت عكس ما يروج، فالرأي العام لا يتأثر كثيرا بالتصريحات، بقدر ما يتابع الأفعال والنتائج، و لذلك، فإن أولى الخطوات التي يمكن أن يعتمدها النواب تتمثل في تكثيف العمل داخل اللجان وخلال الجلسات العامة، بما يعكس جدية في التعاطي مع الملفات المطروحة فالنائب الذي يساهم بانتظام في النقاشات، ويقدم مقترحات ملموسة، ويحرص على متابعة مشاريع القوانين، يبعث برسالة واضحة مفادها أن دوره يتجاوز الامتيازات الشكلية.

احترام الصلاحيات

إلى جانب ذلك، يظل احترام الصلاحيات المخولة دستوريا عاملا أساسيا في بناء صورة إيجابية، فحين يلتزم النائب بحدود دوره التشريعي والرقابي، دون تجاوز أو تقاعس، فإنه يعزز مصداقية المؤسسة ككل، كما أن التوازن بين ممارسة الرقابة على الوظيفة التنفيذية والتعاون معها في إطار المصلحة العامة، يساهم في ترسيخ مناخ من الثقة، ويبعد شبهة التوظيف السياسي الضيق.

ولا يمكن في هذا الإطار إغفال أهمية الشفافية في العمل النيابي، فإتاحة المعلومات المتعلقة بالحضور، والتصويت، والمبادرات التشريعية، تتيح للمواطنين تقييم أداء ممثليهم بشكل موضوعي. كما أن تواصل النواب مع دوائرهم الانتخابية، والاستماع إلى مشاغل المواطنين، ونقلها إلى قبة البرلمان، يعزز الإحساس بالقرب ويقلص الفجوة بين الناخب ومن انتخبه. فالصورة الإيجابية لا تُبنى داخل المجلس فحسب، بل أيضا في علاقة النائب بمحيطه الاجتماعي.

ومن بين الموجبات التي يمكن أن تساهم في تغيير الصورة، الابتعاد عن الخطاب الشعبوي الذي يركز على كسب التعاطف السريع دون تقديم حلول واقعية، فالتجربة أثبتت أن هذا النوع من الخطاب قد يحقق مكاسب ظرفية، لكنه يضر على المدى الطويل بمصداقية العمل السياسي. في المقابل، فإن اعتماد خطاب رصين قائم على المعطيات والتحليل، يعكس نضجا سياسيا ويعزز ثقة المواطنين.

توضيحات بشأن الحصانة

كما أن مسألة الحصانة البرلمانية، التي تعد من أبرز النقاط المثارة في الجدل، تستوجب مقاربة واضحة من قبل النواب أنفسهم فبدل الاكتفاء برفض الاتهامات، يمكن العمل على تأكيد أن هذه الحصانة هي أداة لضمان حرية العمل النيابي، وليست وسيلة للإفلات من العقاب. ويتحقق ذلك من خلال مواقف عملية، مثل عدم التردد في رفع الحصانة في الحالات التي تستوجب ذلك، أو دعم آليات المحاسبة القانونية دون تردد.

ولا يقل عن ذلك أهمية الالتزام بأخلاقيات العمل البرلماني، سواء داخل الجلسات أو خارجها، فالسلوك الفردي للنائب ينعكس بشكل مباشر على صورة المؤسسة ككل، ومن هنا، فإن احترام قواعد النقاش، وتجنب التجريح، والابتعاد عن الصراعات الشخصية، كلها عناصر تساهم في تقديم نموذج إيجابي للعمل السياسي، كما أن الانضباط في المواعيد، والجدية في التحضير، يعكسان احترافية تعزز ثقة الرأي العام.

من جهة أخرى، يمكن للنواب الاستفادة من التجارب المقارنة في برلمانات أخرى، حيث تم اعتماد آليات لتعزيز الشفافية والمساءلة، مثل نشر تقارير دورية حول الأداء، أو تنظيم لقاءات مفتوحة مع المواطنين، و هذه الممارسات لا تساهم في تحسين الصورة فحسب، بل أيضا في تطوير العمل النيابي ذاته، فالتجديد لا يقتصر على الأشخاص، بل يشمل أيضا أساليب العمل.

وفي ظل التحولات الرقمية، تبرز وسائل التواصل الاجتماعي كفضاء مهم يمكن استثماره بشكل إيجابي، فبدل أن تكون هذه الوسائل مصدرا للاتهامات والتجاذبات، يمكن تحويلها إلى منصة لعرض الأنشطة البرلمانية، وشرح المواقف، والتفاعل مع المواطنين بشكل مباشر غير أن هذا الاستخدام يتطلب وعيا بأهمية المضمون، وتجنب الانجرار وراء السجالات التي قد تسيء إلى صورة النائب.

وفي النهاية، فإن استعادة ثقة المواطنين ليست مهمة ظرفية، بل مسار طويل يتطلب التزاما مستمرا. ولا يمكن تحقيق هذا الهدف عبر ردود الفعل أو الحملات الإعلامية فحسب، بل من خلال عمل يومي متراكم يعكس جدية وإخلاصا في أداء المسؤولية. فالصورة العامة لا تتغير بقرار، بل بسلوك يتكرر حتى يصبح قاعدة.

إن النواب، وهم يحتجون على ما يرونه ظلما في تقييمهم، يمتلكون في الوقت ذاته الأدوات الكفيلة بتغيير هذا التقييم، فبين أيديهم صلاحيات تشريعية ورقابية واسعة، تمكنهم من إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين. وإذا ما تم توظيف هذه الصلاحيات بكفاءة، فإن ذلك كفيل بتجاوز الصورة السلبية، وبناء علاقة جديدة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل.

ويبدو أن الرهان الحقيقي لا يكمن في كسب معركة الخطاب، بل في كسب معركة الفعل، فالمواطن، في نهاية المطاف، لا يحكم على النوايا، بل على النتائج. وكلما شعر بأن ممثليه يعملون بجدية لخدمته، كلما تراجعت الشكوك، وتقدمت الثقة، وتلك هي المعادلة التي يمكن أن تعيد للمؤسسة التشريعية مكانتها، وتمنحها الدور الذي تستحقه في بناء مستقبل أفضل.

 

Related posts

وزير الخارجية يُشارك في اجتماع تشاوري حول ليبيا

Na Da

المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة تُطالب بضمان حرية الوصول الإنساني لموظفي المنظمة إلى المحتاجين في غزة

Ichrak Ben Hamouda

غدا يمثل أمام القضاء: نقابة الصحفيين تدعو الى وقفة تضامنية مع مراد الزغيدي

Na Da

Leave a Comment