صابر الحرشاني
يعد تتويج النادي الإفريقي بالبطولة الرابعة عشرة في تاريخه تتويجا لمسار طويل من الصمود بعد واحدة من أكثر الفترات اضطرابا في تاريخ النادي.
وقد منح اليوم الفوز على الترجي الرياضي التونسي في الدربي الحاسم اللقب قيمة مضاعفة، لأن الإفريقي حسم البطولة أمام منافسه المباشر وفي ملعب رادس، بعد سنوات كان فيها الفريق عاجزا حتى عن الاستقرار الإداري والمالي.
قبل سنوات قليلة فقط، كان الحديث حول فريق باب الجديد يدور أساسا حول الديون، وعقوبات المنع من الانتداب، و تغيّر الإدارات، وتأخر الخلاصات و “اللطخات” التي حشدت دعم الاحباء للنادي.
وقد عاش النادي الافريقي في السنوات الاخيرة مرحلة فقد فيها توازنه الرياضي والنفسي، وتعاقب عليه المدربون دون قدرة على بناء مشروع مستقر، و في بعض المواسم كان الفريق ينافس فقط من أجل ضمان مركز مؤهل قاريا دون الحصول عليه، بينما ابتعدت صورة المنافس الجدي على البطولة. لذلك فإن لقب 2026 لا يمكن فهمه باعتباره نتيجة سلسلة انتصارات فقط، بل باعتباره فرصة مهمة لإعادة البناء و استعادة الاشعاع.
البنزرتي صانع النصر
العامل الأبرز في هذا التحول كان وجود فوزي البنزرتي، حيث ان الرجل لم يقدّم كرة هجومية استعراضية، لكنه أعاد إلى الفريق ما فقده لسنوات وهي الشخصية والواقعية والانضباط، و في الدربي الحاسم البوم أمام الترجي، ظهر ذلك بوضوح حيث الترجي استحوذ وهاجم، لكن الإفريقي لعب بعقلية الفريق الذي يعرف تماما ماذا يريد من المباراة. حتى بعد النقص العددي، حافظ الفريق على تماسكه وانتظر اللحظة المناسبة ليضرب بهدف غيث الزعلوني في الوقت القاتل.
و لم يغير البنزرتي طريقة اللعب فحسب، بل غيّر علاقة اللاعبين بالمباريات الكبرى. وبدا الإفريقي هذا الموسم أكثر هدوءا تحت الضغط، وأكثر قدرة على حسم المواجهات المباشرة حيث لم يكن الفريق الأفضل فنيا في كل الجولات، لكنه كان الأكثر قدرة على جمع النقاط، وهي السمة التي صنعت الفارق في الأمتار الأخيرة من البطولة.
جانب آخر مهم في هذا التتويج يتمثل في استعادة التوازن داخل المجموعة. وكان الإفريقي في مواسم سابقة يعيش على وقع التوترات الداخلية وردود الفعل الجماهيرية السريعة، أما هذا الموسم فقد بدا أكثر استقرارا ، و حتى الانتدابات لم تكن قائمة على الأسماء اللامعة بقدر ما كانت قائمة على الحاجة الفنية والقدرة على الانسجام.
اللاعب رقم 12
كما أن جماهير الإفريقي لعبت دورا حاسما و كانت بمثابة اللاعب رقم 12, و حافظ النادي على قوته الجماهيرية رغم سنوات الإحباط، وهذه الجماهير تحولت خلال الموسم إلى عنصر ضغط إيجابي دفع الفريق إلى مواصلة المنافسة حتى النهاية. لذلك بدا مشهد الاحتفال باللقب وكأنه انفجار طويل مؤجل منذ تتويج 2015.
في المقابل، فإن خسارة الترجي للبطولة كشفت أن الاستقرار التاريخي للنادي لا يكفي دائما لحسم السباقات الطويلة، حيث عاش الترجي هذا الموسم تغييرات فنية عديدة، وهو ما انعكس على الأداء في اللحظات الحاسمة. بينما استفاد الإفريقي من وضوح أكبر في الخيارات الفنية خلال الجزء الأخير من الموسم.
و ما يجعل هذا اللقب مختلفا أيضا هو أنه أوقف هيمنة امتدت سنوات، وأعاد البطولة إلى منطق المنافسة المفتوحة، و بذلك يبدو ان الإفريقي لم يفز باللقب عبر حملة مثالية، بل عبر فريق عرف كيف يتجاوز أزماته ويستثمر أخطاء منافسيه ويكسب المباريات الصعبة بأقل هامش ممكن. وهذه غالبا هي الطريقة التي تُولد بها البطولات الأكثر تأثيرا في ذاكرة الجماهير.
بعد 11 عاما من الانتظار، عاد الإفريقي إلى القمة، لكن الأهم أن الفريق عاد بصورة مختلفة: أقل اندفاعا، أكثر نضجا، وأقرب إلى الفرق التي تعرف كيف تربح حتى عندما لا تقدم أفضل كرة قدم.
previous post
