21 يوليو، 2026
الصفحة الأولى وطنية

لماذا تنقطع الكهرباء بالتناوب؟ ما هو “الديلستاج” ولماذا تلجأ إليه شبكات الكهرباء؟

صابر الحرشاني

 

مع تواصل موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة، يلاحظ المواطنون في عدد من المناطق انقطاعا مؤقتا للتيار الكهربائي، وهو ما يثير تساؤلات عديدة حول أسبابه وما إذا كان مؤشرا على عطل كبير أو انهيار في شبكة الكهرباء.

وفي هذا السياق يتردد مصطلح فرنسي هو “Délestage” أو ما يعرف عربيا بـ”تخفيف الأحمال”، وهو إجراء تلجأ إليه شركات الكهرباء في عديد دول العالم عندما تبلغ الشبكة حدودها القصوى.

ورغم أن انقطاع الكهرباء يسبب إرباكا للمواطنين وللأنشطة الاقتصادية، فإن هذا الإجراء لا يعني بالضرورة وجود خلل في الشبكة، بل قد يكون وسيلة لحمايتها من انقطاع شامل قد يستغرق إصلاحه ساعات طويلة أو حتى أياما، بحسب حجم الضرر الذي يمكن أن يلحق بالمنظومة الكهربائية.

 

طلب أكبر من قدرة الشبكة

 

و تعتمد أي شبكة كهربائية على مبدأ بسيط يتمثل في ضرورة تحقيق توازن دائم بين كمية الكهرباء المنتجة وكمية الكهرباء التي يستهلكها المشتركون في اللحظة نفسها، فالكهرباء لا يمكن تخزينها بكميات كبيرة داخل الشبكة التقليدية، لذلك يجب أن يتساوى الإنتاج مع الاستهلاك بشكل مستمر.

وخلال أشهر الصيف، وخاصة أثناء موجات الحر كالتي نعيشها، يرتفع الاستهلاك بشكل غير مسبوق نتيجة تشغيل أجهزة التكييف والمراوح والثلاجات والمضخات وغيرها من المعدات الكهربائية في الوقت نفسه، وكلما ارتفعت درجات الحرارة زاد الضغط على الشبكة، لأن ملايين الأجهزة تبدأ في استهلاك الطاقة بشكل متزامن.

ويمكن تبسيط الفكرة بمثال قريب من الحياة اليومية فإذا كانت شاحنة صغيرة مصممة لنقل طن واحد فقط، ثم جرى تحميلها بطنين، فإن المحرك وناقل الحركة سيتعرضان لضغط كبير قد يؤدي إلى تعطل المركبة بالكامل، والأمر نفسه ينطبق على شبكة الكهرباء، فهي مصممة للعمل ضمن قدرة إنتاجية واستيعاب محدد، وعندما يتجاوز الطلب تلك القدرة تصبح المنظومة معرضة لاضطرابات قد تمتد إلى كامل الشبكة.

ولا يقتصر الأمر على محطات الإنتاج وحدها، بل يشمل أيضا خطوط النقل والمحولات الكهربائية ومراكز التوزيع التي تمتلك جميعها حدودا تقنية لا يمكن تجاوزها لفترات طويلة دون مخاطر.

 

ما هو “الديلستاج” وكيف يطبق؟

 

مصطلح “Délestage” هو كلمة فرنسية تعني “تخفيف الأحمال”، ويقصد بها تقليل الضغط على الشبكة الكهربائية من خلال فصل التيار عن مناطق محددة لفترة زمنية قصيرة ومتناوبة.

ويتم هذا الإجراء وفق خطة مسبقة تهدف إلى توزيع الانقطاع على أكثر من منطقة بالتناوب، حتى لا تتحمل منطقة واحدة كامل العبء، مع الحرص عادة على حماية المرافق الحيوية مثل المستشفيات وبعض المنشآت الاستراتيجية كلما كان ذلك ممكنا.

ويعتمد هذا النظام على فكرة بسيطة، وهي التضحية المؤقتة بجزء محدود من الاستهلاك من أجل المحافظة على استقرار الشبكة بأكملها. فإذا كانت الشبكة تحتاج إلى تخفيض الطلب بمئات الميغاواط، فإن قطع الكهرباء عن عدد من الأحياء لمدة ساعة أو ساعتين قد يكون كافيا لإعادة التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.

وبمجرد انخفاض الاستهلاك أو استعادة التوازن، يعاد التيار إلى المناطق التي شملها الانقطاع، بينما قد تنتقل العملية إلى مناطق أخرى إذا استمر الضغط المرتفع على الشبكة.

ولهذا السبب يوصف “الديلستاج” بأنه إجراء وقائي أكثر منه حلا دائما، إذ يهدف إلى تجنب سيناريو أكثر تعقيدا يتمثل في انهيار الشبكة الكهربائية بالكامل، وهو ما يعرف في بعض الدول بـ”الانقطاع الشامل” أو “Blackout”.

وفي حالة الانقطاع الشامل، تصبح إعادة تشغيل الشبكة عملية تقنية معقدة، إذ لا يكفي مجرد إعادة رفع القاطع الكهربائي، بل يجب تشغيل محطات الإنتاج تدريجيا وربطها بالشبكة وفق تسلسل دقيق لضمان استقرار التردد والجهد الكهربائي، وهي عملية قد تستغرق وقتا طويلا بحسب حجم الشبكة والأضرار المسجلة.

 

إجراء معروف

 

و قد يعتقد البعض أن اللجوء إلى تخفيف الأحمال يقتصر على الدول التي تواجه صعوبات في قطاع الطاقة، إلا أن الواقع يختلف عن ذلك، فقد شهدت دول متقدمة خلال السنوات الأخيرة عمليات مماثلة أو إجراءات لإدارة الطلب على الكهرباء عند تسجيل مستويات استهلاك قياسية أو عند تراجع الإنتاج بسبب ظروف مناخية أو أعطال مفاجئة أو نقص في مصادر الوقود.

وتزداد احتمالات اللجوء إلى هذه الإجراءات مع التغيرات المناخية، إذ أصبحت موجات الحر أكثر تكرارا وأشد تأثيرا، وهو ما يرفع استهلاك الكهرباء إلى مستويات غير مسبوقة، خاصة مع الانتشار الواسع لأجهزة التكييف.

وفي المقابل، تعمل شركات الكهرباء على تقليل الحاجة إلى هذا الحل من خلال تعزيز قدرات الإنتاج، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، وإدماج الطاقات المتجددة، إلى جانب إطلاق حملات لترشيد الاستهلاك خلال ساعات الذروة.

وتلعب سلوكيات المستهلكين أيضا دورا مهما في تخفيف الضغط على الشبكة.د فرفع درجة حرارة المكيف قليلا، وتأجيل تشغيل بعض الأجهزة كثيفة الاستهلاك إلى خارج أوقات الذروة، وإطفاء الأجهزة غير الضرورية، كلها إجراءات بسيطة يمكن أن تقلل الحمل الإجمالي عندما يلتزم بها عدد كبير من المشتركين.

 

Related posts

مع ضغط التوازنات المالية الحل في المبادرات الوطنية

khairi

كميات الامطار المسجلة خلال 24 ساعة الماضية

Moufida Ayari

حالة الطقس ودرجات الحرارة

صابر الحرشاني

Leave a Comment