14 أغسطس، 2026
الصفحة الأولى تقارير

القروض على الشرف…امتحان انفاذ القانون



صابر الحرشاني
تتصاعد الاستفسارات لدى عموم المواطنين حول موعد تفعيل القروض على الشرف بعد مرور نحو شهر على صدور الامر الترتيبي في الرائد الرسمي.
و يبدو انه عندما يسن القانون حقا جديدا للمواطن، فإن المعركة الحقيقية لا تنتهي لحظة نشر النص في الرائد الرسمي بل تبدأ بعدها، على اعتبار ان القانون الذي لا يجد طريقه إلى الإدارة والبنك والسوق والمواطن يبقى، مهما كانت دقة فصوله، أقرب إلى وعد مؤجل منه إلى حق قابل للممارسة.
كما تبدو فكرة القروض على الشرف في حد ذاتها لافتة، فالحديث عن تمويل دون فوائد، ودون ضمانات، وبسقف يصل بالنسبة إلى الأفراد إلى 5 آلاف دينار، هو دونما شك محاولة لفتح منفذ أمام أشخاص قد لا يجدون بسهولة طريقا إلى القروض البنكية التقليدية.
لكن المفارقة أن هذه الآلية التي يفترض أن تكون أبسط من القرض العادي، بدأت تحيط بها منذ انطلاقها أسئلة إجرائية كثيرة، أين يقدم المواطن مطلبه؟ ما الوثائق المطلوبة؟ هل تختلف الشروط من بنك إلى آخر؟ متى يبدأ احتساب أجل البت في المطلب؟ ومن يضمن احترام ترتيب المطالب؟ على الرغم من أن الامر الترتيبي ورد مفصلا.
وهذه ليست أسئلة هامشية، ففي مثل هذه الآليات، قد يكون التعقيد الإداري قادرا على إفراغ النص من مضمونه دون الحاجة إلى رفضه صراحة.

بين القانون والمنظومة البنكية

وقع وضع الفصل 412 ثالثا من المجلة التجارية ، ثم جاء الأمر عدد 148 لسنة 2026 المؤرخ في 23 جويلية ليضبط الشروط والمعايير، حيث أن النص يخصص نسبة لا تقل عن 8 بالمائة من الأرباح السنوية المحاسبية السابقة لإنشاء خطوط تمويل صغرى على الشرف، ويحدد الفئات المنتفعة والسقوف المالية، ويمنع الفوائد والضمانات والعمولات المتعلقة بدراسة المطالب،كما يضع آجالا للبت في الملفات ويلزم بتعليل الرفض.
ومن الواضح ايضا أن المشرع لم يترك الفكرة في مستوى الشعارات فقد وضع قواعد واضحة نسبيا، وحدد التزامات على عاتق المؤسسات البنكية.
و على الرغم من ذلك فان التعامل يبدو شديد الاختلاف بين البنوك في التعاطي مع هذه الالية فالمشكلة ليست في أن تحتاج البنوك إلى وقت لترتيب هذه المنظومة با ان المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا الوقت مفتوحا، وعندما يتحول المواطن إلى الطرف الذي يدفع ثمن التأخير.
و يعتقد مراقبون أن التململ الحاصل انما هو يعكس ثقافة بنكية مختلفة، ذلك أن القرض التقليدي يقوم أساسا على إدارة المخاطر بحيث ان البنك يقرض مقابل دراسة دقيقة للدخل والقدرة على السداد والضمانات والتأمينات وغيرها من الشروط التي تحمي أمواله،أما الآلية الجديدة فتقوم على فلسفة أخرى تماما اذ أن المواطن يحصل على التمويل دون ضمانات ودون فوائد.
و هنا لا يتعلق الأمر بإضافة خانة جديدة إلى استمارة بنكية، وإنما بإدخال منطق مختلف إلى مؤسسة اعتادت أن تقيس كل دينار تقرضه بدرجة المخاطرة التي يتحملها.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم حجم التحدي الذي يواجه المؤسسات البنكية. لكن فهم الصعوبة لا يعني إعفاءها من المسؤولية.
فحين يقرر المشرع تخصيص جزء من الأرباح لهذه الآلية، فإن البنك لا يكون أمام اقتراح يمكنه اختياره أو رفضه وفق رغبته، وإنما أمام قاعدة قانونية يفترض أن تنزل إلى أرض الواقع.
وهناك نوع من الرفض يمكن للمواطن أن يفهمه ويتعامل معه: يودع مطلبا، يدرس البنك الملف، ثم يوافق أو يرفض مع التعليل، لكن الأخطر هو أن يصبح الوصول إلى مرحلة دراسة الملف نفسها معقدا.
فإذا لم يعرف المواطن أين يودع مطلبه، أو كانت الوثائق تختلف من مؤسسة إلى أخرى، أو كان الفرع يحيل الملف إلى الإدارة المركزية دون مسار واضح، فإن الحق يبدأ في التآكل قبل أن يصل إلى مرحلة الموافقة أو الرفض.
و اذ يبدو من السابق لأوانه اتهام البنوك جماعيا بالتعطيل، فانه من غير المنطقي اعتبار كل الصعوبات مجرد تفاصيل عابرة، ذلك أن الواقع يحتاج إلى مراقبة، لا إلى أحكام مسبقة والمطلوب حماية الفكرة من البيروقراطية
وليس المطلوب من البنوك أن تتجاوز قواعد السلامة أو أن تتعامل مع المال باستخفاف، بل المطلوب في المقابل ألا تتحول الإجراءات الداخلية إلى حواجز أمام حق أقره القانون.
أما إذا بقي كل طرف ينتظر الطرف الآخر، فسيظل القانون موجودا، وسيظل المواطن يبحث عن القرض.
وفي المحصلة، فإن القروض على الشرف هي امتحان لقدرة الدولة على تحويل قرار تشريعي إلى خدمة فعلية، وقدرة البنوك على التكيف مع قواعد جديدة، وقدرة أجهزة الرقابة على ضمان ألا يصبح التعقيد الإداري وسيلة غير معلنة لتأجيل تنفيذ القانون.

Related posts

في اجتماع مجلس الوزراء…امر لضبط شروط تدخلات صندوق تعويض الاضرار الفلاحية

صابر الحرشاني

استقرار نسبي في الحرارة

صابر الحرشاني

من تداعيات حرب ايران: ارتفاع خاد في الطلب على الطاقة الشمسية في المانيا

صابر الحرشاني

Leave a Comment