30 C
تونس
27 سبتمبر، 2026
اقتصاد الصفحة الأولى

من إصلاح القوانين إلى تحرير الاستثمار… نحتاج اقتصاد اكثر تنافسية 

صابر الحرشاني

يعود الملف الاقتصادي إلى واجهة النقاش كلما تجدد الحديث عن الاستثمار والنمو وخلق فرص العمل، غير أن معالجة هذه الملفات لا ترتبط فقط بحجم التمويلات أو الحوافز المتاحة، وإنما تبدأ أيضًا من البيئة التشريعية والإدارية التي يتحرك داخلها المستثمر والمؤسسة والمواطن. فوضوح القواعد، وسرعة الإجراءات، واستقرار المنظومة القانونية، أصبحت جميعها عناصر مؤثرة في قدرة الاقتصاد على استقطاب المشاريع والمحافظة على المؤسسات القائمة.

وفي الحالة التونسية، يبدو النقاش حول تحسين مناخ الأعمال مرتبطًا بدرجة كبيرة بمدى قدرة المنظومة التشريعية على مواكبة التحولات الاقتصادية. فعدد من القوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي يعود إلى فترات تغيرت بعدها طبيعة الأسواق وأدوات التمويل ووسائل التجارة والتكنولوجيا، وهو ما يجعل مراجعة النصوص وتبسيط الإجراءات جزءًا من مسار أوسع لإعادة بناء الثقة بين الدولة والقطاع الخاص.

ولا يتعلق الأمر بالضرورة بإلغاء المنظومة القائمة واستبدالها دفعة واحدة، بقدر ما يتعلق بتحديد النصوص والإجراءات التي أصبحت تمثل عائقًا أمام الاستثمار، ثم مراجعتها وفق رؤية واضحة توازن بين حرية المبادرة وحماية المصلحة العامة. 

الاستثمار يبدأ من وضوح القاعدة 

يمثل استقرار الإطار القانوني أحد العناصر التي ينظر إليها المستثمر عند اتخاذ قرار إنشاء مشروع أو توسيعه. فالمؤسسة تحتاج إلى معرفة شروط الاستثمار، والالتزامات الجبائية، وإجراءات التراخيص، وقواعد تحويل الأموال، وآليات فض النزاعات، قبل أن تلتزم برؤوس أموالها.

ومن هنا تبرز أهمية مواصلة العمل على تطوير التشريعات الاقتصادية، وخاصة تلك المتعلقة بالاستثمار والصرف والجباية والمنافسة، بما يجعلها أكثر وضوحًا وانسجامًا مع طبيعة الاقتصاد الحديث.

ويكتسب هذا المسار أهمية أكبر بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي لا تمتلك عادة الإمكانيات الإدارية والقانونية المتوفرة لدى المؤسسات الكبرى. فكل إجراء إضافي، وكل أجل طويل، وكل غموض في المسار الإداري، يمكن أن يتحول بالنسبة إلى مؤسسة صغيرة إلى كلفة حقيقية تؤثر في قدرتها على الاستمرار والتوسع.

لذلك، فإن تبسيط الإجراءات لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد اختصار للوثائق، وإنما كإعادة هندسة للمسار الإداري برمته، من لحظة تقديم الطلب إلى مرحلة الحصول على الترخيص ومتابعة المشروع.

 المؤسسات الصغرى… الإصلاح يبدأ من التفاصيل 

تحتاج المؤسسات الصغرى والمتوسطة إلى منظومة تشريعية ومالية تسمح لها بالانتقال من مرحلة البقاء إلى مرحلة النمو. ويشمل ذلك تسهيل النفاذ إلى التمويل، وتطوير آليات الضمان، وتبسيط إجراءات بعث المؤسسات، وتوفير حوافز مرتبطة بالاستثمار والتشغيل والتجديد التكنولوجي.

كما يمكن أن تكون المراجعة التشريعية أكثر نجاعة عندما تراعي اختلاف المؤسسات بحسب حجمها وطبيعة نشاطها وموقعها الجغرافي. فالمؤسسة الناشئة في التكنولوجيا لا تواجه بالضرورة الإشكالات نفسها التي تواجهها مؤسسة صناعية أو فلاحية.

ومن ثمة، فإن السياسة الاقتصادية لا تحتاج فقط إلى مزيد من الحوافز، وإنما إلى حوافز أكثر استهدافًا وارتباطًا بالنتائج، مثل الاستثمار المنتج والتشغيل والتصدير والبحث والتطوير.

 مجلة الصرف… تحديث يرتبط بحاجات الاقتصاد 

ويبرز إصلاح منظومة الصرف ضمن الملفات التي يمكن أن يكون لها تأثير مباشر على علاقة الاقتصاد التونسي بالخارج، خاصة في ما يتعلق بالمؤسسات المصدرة والمستثمرين والمتعاملين مع الأسواق الدولية.

فالمنظومة القانونية للصرف مطالبة اليوم بالتعامل مع اقتصاد أكثر انفتاحًا، ومع وسائل دفع وتمويل رقمية، ومع مؤسسات تعمل في أسواق متعددة، دون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف آليات الرقابة المالية أو مكافحة التجاوزات.

ولهذا فإن أي إصلاح في هذا المجال يحتاج إلى تحقيق توازن بين تسهيل المعاملات الاقتصادية وضمان الشفافية وحماية النظام المالي. كما أن نجاح الإصلاح لا يقاس فقط بالنص الذي تتم المصادقة عليه، وإنما بمدى وضوح إجراءاته التطبيقية وقدرة الإدارة على تنزيله. 

الرقمنة تعيد تعريف العلاقة مع الإدارة 

ولعل أحد أهم مداخل الإصلاح الاقتصادي يتمثل في الرقمنة، ليس باعتبارها وسيلة تقنية فحسب، وإنما كأداة لإعادة تنظيم العلاقة بين الإدارة والمؤسسة والمواطن. 

فالتحول الرقمي يمكن أن يقلص عدد الإجراءات، ويحد من تداول الوثائق الورقية، ويوفر إمكانية تتبع الملفات، ويقلل من آجال معالجة المطالب. كما يمكن أن يوفر للإدارة نفسها قاعدة بيانات تساعدها على اتخاذ قرارات أكثر دقة ومتابعة الأداء بصورة أفضل. 

لكن الرقمنة الفعلية لا تتحقق بمجرد نقل الاستمارات الورقية إلى منصات إلكترونية. فهي تحتاج إلى مراجعة الإجراءات نفسها قبل رقمنتها، وإزالة المراحل غير الضرورية، وربط قواعد البيانات، وتحديد المسؤوليات وآجال الرد، مع ضمان حماية المعطيات الشخصية والأمن السيبراني.

وفي الوقت نفسه، تفرض التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية تحديث الإطار القانوني حتى لا تصبح المنظومة التشريعية متأخرة عن الواقع الاقتصادي.

 الاقتصاد الأخضر… تشريع يواكب التحول الطاقي 

ويمثل التحول نحو اقتصاد أكثر اعتمادًا على الطاقات النظيفة مجالًا آخر يمكن أن تتقاطع فيه الإصلاحات التشريعية مع أهداف النمو والاستثمار. 

فتونس تمتلك إمكانات مهمة في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع إنتاجية يحتاج إلى وضوح في التراخيص، واستقرار في القواعد، وتحديد أدوار مختلف المتدخلين، إضافة إلى آليات تمويل مناسبة. 

ولا يرتبط الاستثمار في الطاقات المتجددة بالجانب البيئي فقط، بل يمكن أن يكون له تأثير على أمن الطاقة وكلفة الإنتاج وخلق فرص عمل جديدة، خصوصًا في مجالات الصيانة والهندسة والخدمات والتجهيزات.

ومن هذا المنظور، فإن التشريعات المتعلقة بالطاقة والبيئة والاستثمار يمكن أن تشكل جزءًا من سياسة صناعية أوسع، تربط التحول الطاقي بتطوير سلاسل إنتاج محلية وخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد. 

الإدارة… الحلقة التي تحسم نجاح الإصلاح

مهما كانت جودة القوانين، فإن فعاليتها تبقى مرتبطة بقدرة الإدارة على تطبيقها. فالقانون الذي يختصر الإجراءات لكن تطبيقه يستغرق أشهرًا لا يحقق الهدف نفسه، والحافز الاستثماري الذي يحتاج إلى مسار إداري معقد يفقد جزءًا من قيمته العملية. 

لذلك، فإن إصلاح الإدارة يجب أن يسير بالتوازي مع الإصلاح التشريعي. ويتطلب ذلك مراجعة المسارات الإدارية، تحديد آجال واضحة، توسيع الخدمات الرقمية، وتطوير آليات تقييم الأداء. 

كما يمكن اعتماد مبدأ «الإدارة الشريكة» في التعامل مع المستثمر، دون أن يعني ذلك التخلي عن الرقابة. فالهدف هو أن تكون الرقابة واضحة ومحددة ومبنية على قواعد معلومة، بدل أن تتحول إلى سلسلة غير متناهية من الإجراءات. 

وتتطلب هذه المقاربة أيضًا الاستثمار في الموارد البشرية للإدارة، عبر التدريب المستمر وتطوير المهارات الرقمية والاقتصادية، وربط المسؤولية بالنتائج ومؤشرات الأداء. 

الرياضة والقطاعات الجديدة خارج دائرة الإصلاح التقليدي 

ولا ينبغي أن يقتصر التفكير في التشريع الاقتصادي على الاستثمار الصناعي أو الخدمات التقليدية. فهناك قطاعات جديدة يمكن أن تتحول إلى مصادر للنمو إذا توفرت لها الأطر القانونية المناسبة، ومن بينها الاقتصاد الرياضي والصناعات الثقافية والاقتصاد الرقمي والخدمات الموجهة إلى الأسواق الخارجية. 

وفي القطاع الرياضي تحديدًا، يمكن لمراجعة الأطر القانونية والتنظيمية أن تساعد على تطوير الحوكمة والشفافية وتنويع مصادر التمويل، بما يسمح للأندية والهياكل الرياضية بتطوير أنشطة اقتصادية أكثر استدامة.

وتكشف هذه المجالات عن حقيقة أوسع: الإصلاح التشريعي لا يتعلق فقط بتغيير القوانين القديمة، بل أيضًا بتهيئة القواعد التي تسمح للقطاعات الجديدة بالنمو. 

الإصلاح الحقيقي يقاس بما يحدث بعد المصادقة 

وفي النهاية، لا تكمن قيمة الإصلاح التشريعي في عدد القوانين التي تتم مراجعتها، وإنما في الأثر الذي تتركه بعد دخولها حيز التنفيذ. 

فالمستثمر يريد مسارًا واضحًا، والمؤسسة تحتاج إلى تمويل وسوق وقواعد مستقرة، والمواطن ينتظر خدمات أسرع وإدارة أكثر نجاعة، بينما تحتاج الدولة إلى اقتصاد منتج يوفر الموارد وفرص العمل. 

ومن هنا، فإن الإصلاح الاقتصادي والتشريعي والإداري لا ينبغي أن يتحول إلى ورشات منفصلة، بل إلى مسار متكامل يبدأ بتشخيص العوائق، ثم تعديل النصوص، وتبسيط الإجراءات، ورقمنة الخدمات، ومتابعة النتائج.

Related posts

هكذا سيكون طقس اليوم الجمعة

صابر الحرشاني

بنزرت: حجز 359 كلغ من اللحوم غير صالحة للاستهلاك وأكثر من 2 طن من البطاطا كانت موجهة للإحتكار والمضاربة

Na Da

رابطة حقوق الإنسان تدعو لاستراتيجية واضحة بشأن المهاجرين غير النظاميين

صابر الحرشاني

Leave a Comment