34.1 C
تونس
17 أغسطس، 2026
الصفحة الأولى

للقضاء على أسباب الضعف.. هل غيّرنا المنوال التنموي؟

صابر الحرشاني

مع كل تحوّل في المشهد السياسي والاقتصادي تتجدد الأسئلة حول قدرة المنوال التنموي في تونس على خلق الثروة وتوفير مواطن الشغل وتحقيق توزيع أكثر عدلا للموارد بين الجهات والفئات. وبعد سنوات من طرح هذا السؤال، دخلت البلاد مرحلة جديدة في التخطيط، مع المصادقة في جويلية 2026 على مخطط التنمية للفترة 2026-2030، الذي يرفع شعار إرساء “نموذج تنموي جديد” يقوم على العدالة الاجتماعية وتعزيز السيادة الوطنية والتعويل على الذات.

وقد صادق مجلس نواب الشعب يوم 10 جويلية 2026 على مخطط التنمية 2026-2030 برمته، ثم صادق عليه المجلس الوطني للجهات والأقاليم يوم 17 جويلية، ليصبح القانون عدد 16 لسنة 2026 المتعلق بالمصادقة على المخطط صادرا في 20 جويلية 2026. ويغطي المخطط السنوات الخمس المقبلة، ويحدد التوجهات والبرامج التنموية للدولة على المستويين الوطني والجهوي.

وتكتسب هذه المصادقة أهمية خاصة لأن المخطط الجديد يربط صراحة بين التخطيط الخماسي وإرساء نموذج تنموي جديد. وهو ما يطرح السؤال القديم بصيغة مختلفة: هل نحن أمام تغيير فعلي للمنوال التنموي، أم أمام مخطط تنمية جديد داخل منظومة اقتصادية ما زالت تحمل جانبا كبيرا من الخيارات السابقة؟

من مخطط إلى منوال

ظل مطلب تغيير المنوال التنموي حاضرا منذ الثورة، باعتبار أن الاختلالات الجهوية والاجتماعية والبطالة وضعف خلق الثروة كانت من أبرز الملفات التي ارتبطت بالنقاش حول أسباب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

وكانت السنوات التي تلت الثورة مناسبة لإعادة النظر في الخيارات الاقتصادية، غير أن تعدد الحكومات وتغير الأولويات والأزمات المتلاحقة حال دون بلورة تصور مستقر لمنوال اقتصادي جديد. كما زادت جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا والاضطرابات الاقتصادية العالمية من هشاشة المالية العمومية والاقتصاد الوطني.

واليوم تغيرت المعطيات السياسية والمؤسساتية، ووضعت الدولة مخططا خماسيا جديدا صادق عليه البرلمان بغرفتيه. ويتضمن المخطط أهدافا واضحة في النمو والمالية العمومية والفقر والطاقة والتنمية الجهوية، كما يعلن تحديث النسيج الاقتصادي وتطوير البنية الأساسية وتعزيز الأمن الغذائي والمائي والطاقي وتحسين أداء المرفق العمومي ضمن توجهاته الكبرى.

غير أن المخطط التنموي، مهما اتسعت محاوره، يظل أداة للتخطيط وتحديد السياسات والبرامج والأهداف خلال فترة زمنية محددة. أما المنوال التنموي فهو أوسع من المخطط، لأنه يتعلق بالخيارات التي تحدد طبيعة الاقتصاد ومصادر النمو ودور الدولة والقطاع الخاص والعلاقة بين الإنتاج والاستهلاك والتصدير والاستثمار والتوزيع الاجتماعي للثروة.

وهنا تكمن أهمية المرحلة الحالية: المخطط 2026-2030 أعلن الانتقال نحو نموذج تنموي جديد، والسنوات المقبلة ستكون المجال الفعلي لاختبار مضمون هذا الانتقال.

حدد المخطط هدفا متوسطه 4.2 بالمائة للنمو الاقتصادي خلال الفترة 2026-2030، مقابل معدل في حدود 2.4 بالمائة خلال الفترة 2021-2025، مع بلوغ نسق النمو 5.1 بالمائة في سنة 2030 وفق الفرضيات المعلنة. كما يستهدف رفع الدخل الفردي بنسبة سنوية تناهز 6.5 بالمائة، والوصول بالدخل الفردي إلى نحو 21.5 ألف دينار في أفق 2030 وفق الأسعار وسعر الصرف المعتمدين في الوثيقة.

وتراهن الخطة على نمو القطاع الصناعي بنسبة 5.1 بالمائة سنويا، والخدمات بنسبة 4.2 بالمائة، والفلاحة بنسبة 3.1 بالمائة. كما تضع السياحة والنقل والاقتصاد الرقمي ضمن القطاعات التي ينتظر أن تساهم في دفع النمو، مع توجه نحو تطوير الصناعات الذكية والخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة.

وتبدو هذه الأهداف طموحة مقارنة بنسق النمو المسجل خلال السنوات الماضية، وهو ما يجعل السؤال الحقيقي متعلقا بمصادر هذا النمو وبقدرة الاقتصاد على تحقيقه في ظل محدودية الموارد المالية وارتفاع المديونية وتراجع الاستثمار.

العدالة والتنمية الجهوية

يضع المخطط العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة بين الجهات ضمن توجهاته الكبرى، ويستهدف خفض نسبة الفقر إلى أقل من 15 بالمائة بحلول 2030، إلى جانب تحسين مؤشر التنمية البشرية. كما يتضمن توجهات تتعلق بتوجيه الاستثمارات نحو المناطق الأقل تنمية وتطوير البنية الأساسية وتحسين الخدمات الأساسية.

وهذا الملف يمثل أحد الاختبارات الأساسية لأي تغيير في المنوال التنموي. فقد ظل التفاوت بين الساحل والداخل وبين المدن والمناطق الريفية قائما رغم تعدد المخططات والبرامج، كما بقيت بعض الجهات تعاني نقص الاستثمار وفرص العمل وضعف البنية الأساسية.

وتكمن أهمية المخطط الجديد في اعتماده مقاربة تصاعدية انطلقت من المجالس المحلية ثم الجهوية ومجالس الأقاليم وصولا إلى المستوى الوطني، وهي مقاربة اعتمدت عند إعداد الوثيقة الجديدة.

الدولة والقطاع الخاص

أحد الأسئلة الأساسية في أي نقاش حول المنوال التنموي يتعلق بدور الدولة وعلاقتها بالقطاع الخاص.

فالقطاع العمومي يظل حاضرا بقوة في الخدمات الأساسية والمؤسسات العمومية، بينما يحتاج القطاع الخاص إلى مناخ استثمار أكثر استقرارا وقدرة على خلق الثروة ومواطن الشغل. ويطرح الاقتصاد التضامني بدوره باعتباره أحد المكونات التي يمكن أن تساهم في تنويع النشاط الاقتصادي، خاصة في الجهات الداخلية.

ويشير مخطط التنمية الجديد إلى تعزيز دور القطاع الخاص وتطوير القطاعات المنتجة والخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة، إلى جانب تحسين مناخ الأعمال ورفع الإنتاجية واستقطاب الاستثمارات. كما يتضمن إصلاحات مرتبطة بالمؤسسات العمومية وتطوير مساهمة القطاع البنكي في تمويل الاقتصاد الحقيقي.

وتبقى العلاقة بين هذه المكونات الثلاثة من القضايا التي ستحدد مدى قدرة الخيارات الجديدة على إنتاج اقتصاد أكثر توازنا: دولة تضمن الخدمات الأساسية وتوجه الاستثمار العمومي، وقطاع خاص قادر على التوسع والاستثمار، واقتصاد اجتماعي وتضامني يجد مجالات فعلية للنشاط.

السوق الداخلية والتصدير

كان الاعتماد على السوق الأوروبية أحد أبرز ملامح الاقتصاد التونسي خلال العقود الماضية، بالتوازي مع اعتماد قطاعات واسعة على التصدير نحو الاتحاد الأوروبي.

أما التوجه المعلن في المرحلة الحالية فيعطي أهمية أكبر للتعويل على الذات وتنمية القطاعات المنتجة وتعزيز الأمن الغذائي والطاقي وتطوير السوق الداخلية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للاقتصاد التونسي أن ينفصل عن الأسواق الخارجية، خاصة في الصناعات المصدرة والخدمات والسياحة.

ويطرح ذلك معادلة دقيقة: تنمية الطلب الداخلي وتحسين القدرة الشرائية من جهة، ورفع القدرة التنافسية للتصدير واستكشاف أسواق جديدة من جهة أخرى.

ويضع مخطط 2026-2030 تطوير الصادرات نحو أسواق جديدة ضمن رهانات القطاع الصناعي، كما يراهن على تطوير السياحة والنقل واللوجستيك والاقتصاد الرقمي.

المالية العمومية

و تظل المالية العمومية من أكثر القيود تأثيرا في أي تحول اقتصادي. فالمخطط الجديد يستهدف خفض عجز الميزانية تدريجيا إلى حدود 3 بالمائة من الناتج المحلي والتحكم في المديونية في حدود 80 بالمائة من الناتج في أفق 2030. كما يتضمن إصلاحات مرتبطة بالمؤسسات العمومية وتطوير آليات تمويل الاقتصاد.

وهذه الأهداف تضع الدولة أمام معادلة صعبة بين تمويل الاستثمار والمحافظة على التوازنات المالية، وبين توفير الخدمات الاجتماعية ودعم الفئات الهشة وتحسين القدرة الشرائية.

كما أن نجاح أي تغيير في المنوال يحتاج إلى استثمارات قادرة على رفع الإنتاجية وتوسيع قاعدة الإنتاج، وهو ما يجعل التمويل والاستثمار الخاص والعمومي من الملفات الحاسمة خلال السنوات المقبلة.

في 2023 كان السؤال المطروح هو: متى تبدأ تونس مراجعة منوالها التنموي؟ أما في 2026 فقد انتقلت البلاد إلى مرحلة أخرى بعد المصادقة على مخطط تنمية يمتد إلى 2030 ويعلن صراحة إرساء نموذج تنموي جديد.

لذلك أصبح النقاش أكثر ارتباطا بالمضمون والنتائج. هل ستتغير فعلا مصادر النمو؟ هل ستتوسع قاعدة الإنتاج؟ هل ستتحسن مساهمة الجهات الداخلية في خلق الثروة؟ هل سيخلق الاقتصاد فرص عمل أكثر لحاملي الشهادات والشباب؟ وهل ستتراجع الفوارق الاجتماعية والمجالية؟

هذه الأسئلة ستجد إجاباتها في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي ستسجلها تونس خلال السنوات المقبلة.

Related posts

فصية غفساد مالي في شركة فسفاط قفصة

Mohamed mabrouk Sallami

الرحموني يوجه رسالة اعتذار إلى هيئة الانتخابات

صابر الحرشاني

رئيس الجمهورية لـ”الدكاترة المعطلين”: المناظرة هي الاساس للانتداب

صابر الحرشاني

Leave a Comment