24.4 C
تونس
1 أكتوبر، 2026
الصفحة الأولى سياسة

مبادرات النواب في مهب الريح…. من يملك مفاتيح التشريع؟

صابر الحرشاني

من فينة إلى أخرى، يعلن عدد من النواب عن مبادرات تشريعية يتقدمون بها إلى مجلس نواب الشعب، غير أن عدداً منها لا يجد طريقه إلى الاعتماد، فيما يظل بعضها الآخر طويلاً في أروقة المجلس أو ينتهي بعد المصادقة عليه إلى نصوص قانونية لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

ويثير هذا الوضع تساؤلات جدية حول أسباب تعطل هذه المبادرات، وما إذا كان مرد ذلك إلى رفض الحكومة للمقترحات التشريعية، أو إلى طبيعة المسار البرلماني نفسه، أو إلى إشكالات تتعلق بقدرة النصوص المصادق عليها على الانتقال من الورق إلى التطبيق.

وتتفاعل المبادرات النيابية في الغالب مع ملفات وأحداث يعيش على وقعها المجتمع، إذ يلتزم أعضاء مجلس نواب الشعب، باعتبارهم منتخبين، باقتراح تشريعات لمعالجة وضعيات يعتبرون أنها تستوجب تدخلاً قانونياً. وتتحول نسبة مهمة من هذه التصريحات والمواقف إلى مقترحات قوانين تودع لدى مكتب ضبط المجلس، ثم تحال إلى اللجان المختصة لدراستها ومناقشتها.

غير أن مسار عدد كبير منها يتوقف عند هذه المرحلة، في حين لا يصل إلى الجلسة العامة للمصادقة سوى عدد محدود. وحتى المقترحات التي تنجح في عبور مختلف مراحل المسار التشريعي وتحصل على مصادقة الجلسة العامة، قد تواجه لاحقاً إشكالاً آخر يتمثل في غياب النصوص الترتيبية والتطبيقية الضرورية لتنزيل أحكامها على أرض الواقع.

من المقترح إلى القانون

وتؤكد الوقائع أن مقترحات القوانين القليلة التي حظيت بمصادقة الجلسة العامة تصدر في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، لكن نشر القانون لا يعني بالضرورة دخوله الفعلي حيز التطبيق في كل الحالات. فبعض القوانين يحتاج، بحكم طبيعته ومضامينه، إلى أوامر أو قرارات ترتيبية تحدد الآليات والإجراءات والجهات المكلفة بالتنفيذ.

وهنا تظهر واحدة من أكثر حلقات المسار التشريعي تعقيداً: يمكن أن ينجح النائب في تقديم المبادرة، وأن تتم مناقشتها داخل اللجنة، وأن تحصل على موافقة البرلمان، ثم تصدر في الرائد الرسمي، لكن المواطن لا يلمس بالضرورة أثراً مباشراً لها إذا ظلت النصوص التطبيقية التي يفترض أن تجعلها قابلة للتنفيذ غائبة.

وبذلك يصبح هناك فارق بين وجود القانون من الناحية الشكلية وبين نفاذه العملي من الناحية المؤسساتية. فالقانون الذي يحدد مبدأ أو حقاً أو آلية دون ضبط الوسائل العملية لتطبيقها قد يحتاج إلى تدخل السلطة التنفيذية لاستكمال التفاصيل التي تسمح للإدارة والمؤسسات العمومية والجهات المعنية بتنفيذه.

وهذا ما يفسر أيضاً حالة الإحباط التي يمكن أن تنتج لدى النواب أصحاب المبادرات، إذ قد يعتبرون أن نجاح مقترحهم في الحصول على موافقة البرلمان لا يمثل نهاية المسار، وإنما بداية معركة جديدة تتعلق بمدى استعداد السلطة التنفيذية لترجمة القانون إلى إجراءات فعلية.

وفي المقابل، فإن بقاء بعض المقترحات داخل اللجان لا يعني بالضرورة وجود قرار سياسي بتعطيلها، إذ يمكن أن يكون السبب مرتبطاً بطول النقاش، أو الحاجة إلى مزيد من الاستماع إلى الخبراء والجهات المعنية، أو ارتباط النص بمشاريع قوانين أخرى، أو وجود صعوبات مالية وإدارية في تنفيذ أحكامه.

إزاء هذا الوضع، تصدر اتهامات من صلب مجلس نواب الشعب توجه تارة إلى رئاسة المجلس، باعتبارها تمثل، في نظر أصحاب هذه الانتقادات، جدار صد أمام بعض المبادرات، وتصوب أطواراً أخرى إلى الحكومة، على اعتبار أنها ترفض الاقتراحات التشريعية التي يتقدم بها النواب.

ويعيد هذا الطرح سؤالاً جوهرياً شديد التواتر في مختلف النظم السياسية، يتعلق أساساً بتحديد هوية المشرع الحقيقي بين مؤسسات الدولة، وخاصة بين الجهازين التنفيذي والتشريعي.

وخلافاً للاعتقاد السائد، فإن المؤسسة التشريعية في أغلب النظم السياسية لا تنفرد بإنتاج التشريعات، كما أن نسبة كبيرة من القوانين تكون في الأصل بمبادرة من الحكومات، سواء كانت حكومات منتخبة بشكل مباشر أو حكومات منبثقة عن أغلبية برلمانية أو جرى تشكيلها وفق ترتيبات دستورية مختلفة. وتحيل الحكومات مشاريع القوانين إلى البرلمانات لدراستها ومناقشتها ثم المصادقة عليها أو تعديلها أو رفضها.

ويبرر هذا التوجه بطرق مختلفة بحسب طبيعة النظام السياسي، لكن أحد عناصره الأساسية يتمثل في أن الحكومة هي الجهة التي تتحمل مسؤولية تنفيذ السياسات العامة، وهي التي تتولى عملياً تحويل القوانين إلى برامج وإجراءات وقرارات إدارية. ومن ثم، فإن منطق المسؤولية السياسية والإدارية يجعل السلطة التنفيذية في حاجة دائمة إلى المبادرة بتشريعات جديدة، أو اقتراح تعديل تشريعات قائمة، أو استكمالها وتنقيحها.

وتتعزز هذه الفكرة بكون الإدارة تملك قاعدة واسعة من البيانات والدراسات المتعلقة بالقطاعات التي تشرف عليها، كما تمتلك القدرة على تقييم تأثير الإجراءات والقرارات قبل اعتمادها. وتوجد داخل الوزارات والإدارات هياكل قانونية وخبراء ومختصون يتابعون النصوص القائمة ويرصدون التناقضات والثغرات التي قد تعترض تطبيقها.

ولهذا فإن المشروع الحكومي للقانون لا يكون، في كثير من الأحيان، مجرد استجابة لمطلب سياسي، بل يأتي نتيجة مسار طويل من إعداد الدراسات وجمع المعطيات والتشاور مع المصالح الإدارية والجهات المهنية وأحياناً المنظمات والهياكل المعنية.

أين التعطل؟

لكن هذه المعطيات لا تعني أن المبادرة النيابية أقل أهمية، فالبرلمان يظل فضاءً أساسياً لطرح القضايا الاجتماعية والسياسية التي قد لا تجد طريقها إلى جدول أعمال الحكومة بالسرعة نفسها. وقد يكون النائب أول من يلتقط مشكلة محلية أو قطاعية، ثم يحولها إلى قضية تشريعية وطنية.

وتكمن أهمية المبادرة البرلمانية أيضاً في قدرتها على إدخال قضايا جديدة إلى النقاش العام وإجبار السلطة التنفيذية على توضيح موقفها منها. فحتى عندما لا يصل المقترح إلى المصادقة، يمكن للنقاش الذي يرافقه داخل اللجان والجلسة العامة أن يكشف ثغرات تشريعية أو يدفع الحكومة إلى إعداد مشروع قانون يعالج المسألة نفسها.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الفرق بين مشروع الحكومة ومقترح النائب إلى صراع حول من يملك الأولوية في صناعة التشريع. ففي النظام الديمقراطي، لا ينبغي النظر إلى العملية التشريعية باعتبارها منافسة بين مؤسستين، وإنما باعتبارها سلسلة من الأدوار المتكاملة: النواب يطرحون القضايا ويمارسون الرقابة ويقترحون النصوص، والحكومة توفر الخبرة الإدارية وتتحمل مسؤولية التنفيذ، واللجان البرلمانية تفحص المقترحات وتناقش آثارها، بينما تتولى الجلسة العامة اتخاذ القرار النهائي في حدود الاختصاصات الدستورية.

Related posts

ضمن أيام قرطاج لفنون العرائس : عروض دولية متنوعة

صابر الحرشاني

رئيس الجمهورية يتسلم أوراق اعتماد سفراء جدد في تونس

صابر الحرشاني

ايهود باراك : ” اسرائيل لا يمكنها القضاء على حزب الله

صابر الحرشاني

Leave a Comment