السعودية توسّع مظلة الردع لتفادي الانجرار إلى حرب إقليمية
تسعى السعودية إلى بناء شبكة أوسع من التحالفات الدفاعية والأمنية لمواجهة الهجمات القادمة من إيران وحلفائها، مع محاولة إبقاء ردودها العسكرية محدودة بما يمنع تحولها إلى طرف مباشر في الحرب الإقليمية، في معادلة تبدو أكثر صعوبة مع اتساع جبهات التهديد من العراق واليمن والبحر الأحمر.وبحسب تحليل لوكالة “رويترز”، فإن الرياض تراهن على مسارين متوازيين؛ تحالف بحري متعدد الجنسيات في البحر الأحمر، و”اتفاقية مكة للدفاع المشترك” مع تركيا وباكستان، في محاولة لرفع كلفة استهدافها وتعزيز قدرتها على الردع، غير أن هذه الترتيبات لم تنجح حتى الآن في وقف الهجمات.
وتشير الوكالة إلى أن السعودية تعاملت منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فيفري الماضي، بسياسة تقوم على احتواء التصعيد أولًا عبر القنوات الدبلوماسية، قبل الانتقال إلى ردود عسكرية محدودة أُبقي بعضها بعيدًا عن الأضواء.وقال مسؤول في الشرق الأوسط إن “مشكلة السعودية هي أن خصومها يعلمون أنها تريد تجنب الحرب، ويستغلون ذلك”.ويرى المحلل السعودي عزيز الغشيان أن طهران وحلفاءها قرأوا ضبط النفس السعودي باعتباره ضعفًا في الاستعداد للرد، وقال إن “إيران وحلفاءها يعتقدون أن السعودية لن ترد. فقد فسروا ضبط النفس على أنه قبول ضمني بالاستهداف”. وأضاف أن التحدي أمام الرياض يكمن في إيجاد وسيلة تحقق الردع من دون دفع المملكة إلى مواجهة مفتوحة.
من الدبلوماسية إلى رد عسكري محدود
وبحسب “رويترز”، حافظت السعودية على مستوى من الهدوء مع إيران خلال الفترة التي أعقبت دخول وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن حيز التنفيذ في شهر أفريل الماضي، وبرزت نسبيًا كوجهة أكثر أمانًا داخل الخليج.لكن الوضع تغير خلال الأسابيع الأخيرة مع هجمات استهدفت منشآت نفطية سعودية وحركة الملاحة المرتبطة بالمملكة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، إضافة إلى عودة الحوثيين في اليمن إلى استهدافها.وقبل نحو أسبوعين، نفذت السعودية والولايات المتحدة غارات جوية مشتركة ضد فصائل عراقية قالتا إنها ضالعة في الهجمات على المملكة. وكانت تلك أول عملية رد معلنة تنفذها الرياض منذ اندلاع الحرب. وجاءت العملية رغم حرص السعودية على عدم الظهور كطرف منخرط عسكريًا إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل في المواجهة مع إيران وحلفائها.وبعد يومين، أعلنت الرياض عزمها قيادة تحالف دفاعي بحري في البحر الأحمر، قبل أن تكشف مؤخرا عن “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” مع تركيا وباكستان.
وقالت مديرة مشروع الخليج في مجموعة الأزمات الدولية، ياسمين فاروق، إن هذه الخطوات تمثل رسالة إلى إيران بأن السعودية مستعدة للذهاب إلى مدى أبعد “بعد استنفاد الخيارات الدبلوماسية أولًا”.وأضافت أن الاتفاقية والتحالف البحري يعكسان تحركًا تدريجيًا نحو المراحل الأخيرة من سياسات خفض التصعيد والردع، لكنها شددت على أن التحالفات ما زالت أقرب إلى “بالونات اختبار”، وأن تحركًا عسكريًا مشتركًا واسعًا لا يبدو مرجحًا في المرحلة الحالية.
“اتفاقية مكة” والرسالة الرمزية
ويرى الباحث سلطان العامر أن الإعلان عن اتفاقية الدفاع بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة، وبعد صلاة الجمعة، حمل دلالة رمزية كبيرة تتجاوز الترتيبات العسكرية المباشرة، باعتباره تعهدًا بين دول إسلامية بالدفاع عن بعضها بعضًا. لكن تفاصيل الالتزامات العملية داخل الاتفاقية لا تزال أقل وضوحًا.
وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إن الاتفاقية تشبه من الناحية التقنية المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، وإن تحديد نوع الدعم لأي دولة تتعرض لهجوم سيتطلب مشاورات بين الأطراف.أما باكستان، التي تربطها أصلًا اتفاقية دفاع بالسعودية، فقد تجنبت حتى الآن الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران أو حلفائها، رغم تعرض المملكة خلال الفترة الماضية لهجمات صاروخية وبطائرات مسيرة.من جهتها، وصفت إيران الاتفاقية بأنها خطوة باتجاه تخفيف الاعتماد على القوى الخارجية، في إشارة إلى الولايات المتحدة، وقالت إنها لا ترى سببًا للقلق “طالما أن الاتفاقية تحدد العدو والتهديد بالشكل الصحيح”.
اليمن يعود إلى الواجهة
وتبقى الجبهة اليمنية من أكثر مصادر القلق حساسية بالنسبة للسعودية، بعد أن أنهى الحوثيون الشهر الماضي هدنة استمرت أربع سنوات، وأعلنوا حصارًا بحريًا على المملكة واستهدفوا منشآت نفطية.وأعادت الهجمات إلى الواجهة هشاشة البنية السعودية أمام حرب الصواريخ والطائرات المسيرة، واستحضرت أزمة 2019 حين انخفض إنتاج النفط السعودي إلى النصف بعد هجمات واسعة.
وكانت “رويترز” قد أفادت آنذاك بأن إيران لعبت دورًا في التخطيط لتلك الهجمات.ومع اقتراب اليمن من جولة قتال جديدة، تقول الوكالة إن الرياض تريد هذه المرة أن تتولى الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا قيادة أي عملية عسكرية محتملة، بدل العودة إلى نموذج التدخل المباشر الذي بدأ عام 2015. وفي الوقت نفسه، تدفع السعودية باتجاه تشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر.
وقال مشاركون في الاجتماع الأول الخاص بالتحالف إن الدعوات وُجهت قبل أيام قليلة فقط من انعقاده، في مؤشر إلى السرعة التي تحاول بها الرياض دفع المشروع.وانضمت حتى الآن 14 دولة إقليمية إلى التحالف، فيما تدرس دول أوروبية المشاركة، وسط مخاوف لدى بعضها من الانجرار إلى حرب جديدة في اليمن.
وتسعى السعودية إلى الإعلان رسميًا عن التحالف في أقرب وقت، مع عقد اجتماعات إضافية في جدة خلال هذه الايام.وتخلص صورة التحركات السعودية إلى معادلة لم تُحسم بعد: الرياض توسع أدوات الردع وتظهر استعدادًا أكبر لاستخدام القوة، لكنها لا تزال تحاول إبقاء هذه الخطوات ضمن حدود تمنع تحول الردع نفسه إلى بوابة لحرب أوسع.
