27 أغسطس، 2026
اقتصاد رأي

قانون الشيكات: سبب أزمات أم كبش فداء؟

صابر الحرشاني

عاد الجدل من جديد في تونس حول تداعيات قانون الشيكات عدد 41 لسنة 2024، بعدما أعاد ارتفاع النقد المتداول، وتراجع استعمال الشيكات، وصعوبات تمويل بعض الأنشطة الاقتصادية، فتح النقاش حول نتائج الإصلاح الذي دخل حيز التنفيذ في فيفري 2025.

وبينما يرى منتقدو القانون أن التغييرات التي أدخلها على منظومة الشيكات أربكت جانبا من الدورة الاقتصادية وأفقدت المؤسسات والأفراد أداة تمويل ودفع كانت تؤدي دورا مهما، يرفض آخرون تحميل القانون مسؤولية أزمات أوسع وأقدم من دخوله حيز التطبيق، معتبرين أن ما كشفه الجدل الحالي هو بالأساس هشاشة منظومة التمويل وغياب البدائل الكافية للائتمان التجاري.

ويأتي هذا النقاش في وقت ارتفع فيه حجم النقد المتداول في تونس بشكل لافت، بالتزامن مع انعدام اللجوء إلى الشيكات كوسيلة للدفع المؤجل، وهو ما جعل العلاقة بين الأمرين محل سجال.

الشيك لم يعد وسيلة ضمان

وبالنسبة إلى منتقدي القانون، لم يكن الشيك مجرد وسيلة دفع عادية، بل كان يؤدي عمليا وظيفة ائتمانية مهمة، إذ سمح للمؤسسات والتجار وحتى المواطنين بتأجيل الخلاص وتقسيم المصاريف على أشهر، لان الشيك بكل بساطة كان يستعمل في غير اهدافه و تحول من وسيلة دفع الى وسيلة ضمان. ومع تقليص هذه الوظيفة، وجد جزء من المتعاملين أنفسهم أمام حاجة أكبر إلى السيولة النقدية أو إلى أدوات أخرى لم تكن، في نظرهم، جاهزة بما يكفي لتعويض الشيك.

في المقابل، يرى المدافعون عن الإصلاح أن المشكلة لا تكمن في الحد من استعمال الشيك، وإنما في الطريقة التي اعتاد بها الاقتصاد استعماله لسنوات، فالشيك المؤجل تحوّل تدريجياً من أداة دفع إلى وسيلة ائتمان شبه أساسية، وأصبح جزء من المعاملات التجارية قائما على تأجيل الخلاص عبر سلسلة طويلة من الشيكات. 

وقد كان هذا النظام يوفر مرونة كبيرة للمتعاملين، لكنه كان يحمل في المقابل مخاطر واضحة، خصوصا عندما يصبح الشيك غير قابل للخلاص ويتحول النزاع التجاري إلى قضية جزائية يمكن أن تنتهي بالسجن.

وهنا تحديداً يطرح قانون 41 لسنة 2024 فلسفة مختلفة في التعامل مع الشيكات. فالإصلاح لم يكن مجرد تعديل تقني لإجراءات الدفع، بل جاء لإعادة تنظيم منظومة كاملة كانت تجعل من السجن أحد أبرز أدوات الضغط في النزاعات المتعلقة بالشيكات دون رصيد. ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال أكثر تعقيدا من مجرد الاختيار بين قانون قديم وقانون جديد و يمتد الى سؤال حول القدرة على بناء علاقة ائتمانية وتجارية سليمة من دون تحويل كل تعثر في الخلاص إلى مسار جزائي و كيفية حماية الدائن وضمان حقه في استخلاص أمواله إذا لم تعد العقوبة السجنية تشكل وسيلة الردع نفسها، وهذه الإشكالية هي التي تجعل النقاش حول القانون مشروعا، لكنها في الوقت نفسه تجعل اختزاله في عبارة “قانون الشيكات سبب الأزمة” أمرا يحتاج إلى الكثير من التحفظ.

 فالقانون يمكن أن تكون له آثار اقتصادية حقيقية، ويمكن أن يؤدي تغيير قواعد استعمال الشيكات إلى تغيير سلوك الأفراد والمؤسسات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل تطور سلبي ظهر بعد دخوله حيز التنفيذ سببه القانون وحده.

تأثيرات اخرى

ويبرز ارتفاع النقد المتداول مثالا واضحا على ذلك، فقد ارتفع حجم الأوراق والقطع النقدية المتداولة في تونس إلى حوالي 26.9 مليار دينار في نهاية 2025، مقابل نحو 22.6 مليار دينار في نهاية 2024، أي بزيادة تقارب 4.3 مليارات دينار خلال سنة واحدة.

وتزامن هذا الارتفاع مع تراجع استعمال الشيكات، وهو ما يجعل من الطبيعي طرح فرضية انتقال جزء من المعاملات نحو الدفع نقدا لكن العلاقة هنا لا ينبغي أن تتحول إلى معادلة بسيطة تقول إن قانون الشيكات وحده هو الذي رفع حجم النقد المتداول، لأن الطلب على السيولة يتأثر أيضا بعوامل موسمية واقتصادية أخرى، وبضعف انتشار بعض وسائل الدفع الإلكترونية والائتمانية، ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل نجحنا في توفير البدائل بالسرعة نفسها التي غيّرت بها قواعد استعمال الشيك؟

وهذه النقطة تبدو أكثر أهمية عندما ننتقل من المواطن إلى المؤسسة، فجزء من المؤسسات التونسية، وخاصة الصغرى والمتوسطة، اعتمد لسنوات على الائتمان التجاري وعلى آجال الخلاص بين الحرفاء والمزودين، وكان الشيك المؤجل أحد الأدوات التي سمحت بتمويل هذه الدورة من دون المرور دائما عبر الجهاز البنكي.

وعندما تغيرت قواعد اللعبة، كان من الطبيعي أن تظهر حاجة أكبر إلى أدوات أخرى لتمويل رأس المال العامل وتكوين المخزونات وتسوية المستحقات.

وهنا يبرز ملف المياه المعدنية الذي أعاد النقاش حول الشيكات إلى الواجهة، فالنشاط في هذا القطاع موسمي بطبيعته، إذ ترتفع المبيعات بشكل كبير خلال أشهر الصيف، ما يجعل تكوين المخزونات مسبقا جزءا أساسياً من الدورة الاقتصادية للمؤسسات، ويقول منتقدو القانون إن بعض المخزنين والموزعين كانوا يعتمدون على شراء الكميات خلال الشتاء بضمان الشيكات، ثم تسديد مستحقاتهم بعد تحقيق المبيعات خلال الصيف، ومن هذا المنظور، فإن تقليص استعمال الشيكات يمكن أن تكون له تداعيات على قدرة بعض المتعاملين على تمويل مخزونهم.

لكن هذا التفسير، مهما بدا منطقيا من الناحية الاقتصادية، يحتاج إلى وضعه في سياقه وعدم تحويله إلى تفسير وحيد لأزمة المياه المعدنية، فالمعطيات الصادرة عن المهنيين خلال صيف 2026 تحدثت أيضا عن موجة حر استثنائية، وارتفاع قوي في الطلب، واستنزاف جزء مهم من المخزونات الاحتياطية، إضافة إلى اضطرابات في الكهرباء أثرت في نسق إنتاج بعض وحدات التعليب. لذلك فإن القول إن قانون الشيكات هو الذي تسبب مباشرة في نقص المياه المعدنية يحتاج إلى إثبات أكثر دقة، بينما يبدو من الأصح الحديث عن مجموعة من العوامل، يمكن أن يكون التمويل والائتمان التجاري أحدها.

والأمر نفسه ينطبق على المواطن،فالشيك لم يكن بالنسبة إلى عدد كبير من التونسيين مجرد وسيلة دفع تجارية، بل كان وسيلة لتقسيط نفقات كبيرة لا يستطيعون تحملها دفعة واحدة. شراء تجهيزات منزلية، أو القيام بأشغال، أو اقتناء بعض السلع والخدمات، كان يتم أحيانا عبر شيكات مؤجلة تسمح بتوزيع الكلفة على أشهر وعندما تقلصت هذه الإمكانية، وجد المواطن نفسه في حاجة إلى بديل على غراؤ قرض استهلاكي، او بطاقة ائتمان، او تقسيط بنكي، أو وسيلة دفع آجلة أخرى.

وهنا يمكن القول إن إحدى نقاط الضعف في الإصلاح لم تكن بالضرورة في مبدأ إعادة تنظيم الشيكات، وإنما في عدم توفير البدائل بالسرعة والنجاعة المطلوبتين، فإصلاح وسيلة مالية استعملها المجتمع لسنوات لا يمكن أن ينجح بمجرد تغيير القواعد القانونية، بل المطلوب أن ترافقه منظومة كاملة من أدوات الدفع والتمويل، حتى لا يجد المواطن أو المؤسسة أنفسهما أمام فراغ مالي بعد التخلي عن الأداة القديمة.

ومن هذه الزاوية، يصبح النقاش حول قانون الشيكات جزءا من سؤال أكبر يتعلق بالنموذج المالي والائتماني في تونس،ك فالمؤسسة التي لا تستطيع الحصول على تمويل مناسب تجد نفسها مضطرة إلى الاعتماد على المزود، والمزود بدوره ينتظر خلاص حرفائه، والحريف يبحث عن آجال دفع أطول، وهكذا تتحول سلسلة الخلاص بين المؤسسات إلى نوع من التمويل غير المباشر. وفي مثل هذه المنظومة، يصبح الشيك المؤجل أداة أساسية لأن الجهاز البنكي لا يوفر دائما البديل بالسرعة أو الكلفة المناسبتين.

وهذا يقود مباشرة إلى مسؤولية البنوك، فإذا كان الهدف هو تقليص الاعتماد على الشيك كأداة ائتمان، فإن السؤال لا يمكن أن يتوقف عند المشرّع،،أين هي أدوات تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة؟ وأين هي الحلول السريعة لتمويل رأس المال العامل؟و ماذا عن القروض الاستهلاكية والتقسيط؟ وكيف يمكن تطوير وسائل الدفع الإلكتروني والائتمان بما يسمح بتعويض الوظيفة التي كان يؤديها الشيك؟

فالشيك لم يكن في حد ذاته المشكلة، كما أنه ليس في حد ذاته الحل، لقد كان أداة داخل منظومة اقتصادية أوسع، وعندما غيّرت الدولة قواعد استعماله، ظهرت الحاجة إلى إعادة بناء بقية المنظومة بالتوازي.

وفي المحصلة، بين الفريق الذي يرى في قانون الشيكات سببا مباشرا لجزء من الاختلالات الحالية، والفريق الذي يعتبره مجرد عنصر داخل أزمة اقتصادية أوسع، تبدو الحقيقة أقرب إلى منطقة وسطى يكون فيها القانون قد غيّر سلوك الدفع والائتمان، ومن الطبيعي أن تكون له تداعيات اقتصادية، لكنه لم يصنع بمفرده أزمة التمويل ولا ضعف الاستثمار ولا هشاشة الدورة الاقتصادية.

Related posts

دورية مشتركة تحجز كميات كبيرة من المواد الغذائية صبيحة اليوم

root

هل تراجعت نسبة البطالة في تونس ؟

Moufida Ayari

تونس تطرح مناقصة لشراء 75 ألف طن من القمح الليّن

صابر الحرشاني

Leave a Comment