30 C
تونس
27 سبتمبر، 2026
اقتصاد الصفحة الأولى

تونس والجزائر.. نحو شراكة اقتصادية تتجاوز المبادلات التجارية

صابر الحرشاني

تشهد العلاقات الاقتصادية والتجارية بين تونس والجزائر خلال السنوات الأخيرة تطورًا لافتًا، مدفوعًا بارتفاع حجم المبادلات وتنامي حضور المؤسسات التونسية في السوق الجزائرية، إلى جانب بروز فرص جديدة للتعاون في قطاعات الصناعة والخدمات والطاقة والصناعات الغذائية. ويأتي هذا التطور في سياق إقليمي يتزايد فيه الاهتمام بتعزيز التجارة البينية وبناء سلاسل قيمة مشتركة قادرة على خدمة أسواق أوسع في شمال إفريقيا والقارة الإفريقية.

وتشير أحدث المعطيات المقدمة خلال لقاء جمع رجال أعمال وممثلين عن منظمات مهنية تونسية وجزائرية إلى أن حجم المبادلات التجارية بين البلدين ارتفع بنسبة 166 بالمائة خلال السنوات الخمس الماضية، ليبلغ نحو 2.76 مليار دولار. كما أصبحت الجزائر تحتل المرتبة السابعة ضمن حرفاء تونس عالميًا والمرتبة الرابعة ضمن مورديها، بما يعكس الأهمية المتزايدة للسوق الجزائرية بالنسبة للمؤسسات التونسية.

وجاء عرض هذه المعطيات في إطار بعثة أعمال نظمتها منظمة «كونكت الدولية» بالشراكة مع الكنفدرالية الجزائرية لأرباب العمل المواطنين، خلال الفترة الممتدة من 22 إلى 24 سبتمبر 2026. وقد جمعت البعثة عددًا من الفاعلين الاقتصاديين من البلدين بهدف بحث فرص جديدة للشراكة والاستثمار وتطوير المبادلات الثنائية. وأكد مركز النهوض بالصادرات التونسي، الذي واكب هذه المهمة، أن اللقاءات شملت قطاعات الصناعة والصناعات الغذائية والطاقة ومواد البناء والخدمات والاقتصاد الرقمي.

تركيبة المبادلات تكشف عن فرص للتكامل

لا تقتصر أهمية العلاقات التجارية التونسية الجزائرية على ارتفاع قيمة المبادلات، بل ترتبط كذلك بتنوع المنتجات والخدمات المتبادلة وإمكانية بناء تكامل أكبر بين القدرات الإنتاجية في البلدين.

وتستحوذ الصناعات الميكانيكية والكهربائية على النصيب الأكبر من الصادرات التونسية نحو الجزائر، بنسبة بلغت 56.53 بالمائة، تليها الصناعات المعملية المختلفة بنسبة 31.53 بالمائة، ثم المنتجات الفلاحية والغذائية بنسبة 7.05 بالمائة. وتعكس هذه التركيبة وجود قاعدة صناعية تونسية قادرة على تلبية جزء من احتياجات السوق الجزائرية، خصوصًا في المجالات المرتبطة بالمكونات الصناعية والتجهيزات والمنتجات ذات القيمة المضافة.

ويبرز قطاع مكونات السيارات بصفة خاصة كأحد المجالات التي يمكن أن تشهد مزيدًا من التكامل بين البلدين. وفي هذا الإطار، أعلن مركز النهوض بالصادرات عن تنظيم لقاءات مهنية في الجزائر خلال نوفمبر 2026 لفائدة الصناعيين التونسيين المتخصصين في مكونات السيارات، بهدف تطوير علاقات المناولة والشراكة والتكامل الصناعي مع الفاعلين في منظومة السيارات الجزائرية.

ومن شأن هذا النوع من التعاون أن ينقل العلاقة التجارية من مجرد تصدير واستيراد المنتجات النهائية إلى بناء سلاسل إنتاج مشتركة، بحيث يتم توزيع مراحل التصنيع بين البلدين وفقًا لقدرات كل سوق وتخصصاته الصناعية.

الاستثمار يفتح مسارًا موازيًا للتجارة

إلى جانب التجارة، يمثل الاستثمار المباشر أحد المؤشرات المهمة على عمق العلاقات الاقتصادية. وتفيد المعطيات الواردة في التقرير بأن 43 مؤسسة تونسية تنشط حاليًا في الجزائر، مع حضور ملحوظ لقطاعات الميكانيك والكهرباء بنسبة 30 بالمائة، والخدمات بنسبة 23 بالمائة، فيما يمثل كل من قطاعي النسيج والفلاحة نحو 16 بالمائة.

ويكشف هذا التوزيع عن تنوع نسبي في مجالات حضور المؤسسات التونسية، وعدم اقتصارها على قطاع واحد. كما أن قرب السوقين جغرافيًا وتشابه عدد من احتياجاتهما الإنتاجية والاستهلاكية يمكن أن يشجعا على تطوير استثمارات مشتركة بدل الاكتفاء بالعلاقات التجارية التقليدية.

وقد كثّف مركز النهوض بالصادرات خلال سنة 2026 من المبادرات الموجهة إلى السوق الجزائرية، إذ نظم في ماي لقاءات مهنية في مجال التكنولوجيا الفلاحية بهدف استكشاف فرص الشراكة مع المؤسسات الجزائرية، كما رافق في أفريل مشاركة 12 مؤسسة تونسية في معرض «دجازاغرو» للصناعات الغذائية بالجزائر.

تستفيد المبادلات بين البلدين من الإطار التجاري التفاضلي الثنائي، إضافة إلى الاستفادة من الترتيبات التجارية العربية ذات الصلة. وتدرج وزارة التجارة التونسية رسميًا الاتفاق التجاري التفاضلي التونسي الجزائري ضمن الاتفاقيات التجارية التي تنظم العلاقات التجارية الخارجية لتونس، كما تشمل المنظومة اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.

غير أن تطوير التجارة لا يرتبط بالرسوم الجمركية وحدها. فتكلفة النقل، وإجراءات العبور، وتوحيد المواصفات، وإجراءات المطابقة، وسرعة التخليص الديواني، وتوفر البنية التحتية للتخزين والنقل، كلها عوامل يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الشركات على دخول السوق المقابلة.

وتشير الاستراتيجية التونسية للتجارة الخارجية نفسها إلى أهمية تقليص آجال الإجراءات الديوانية وتحسين الخدمات اللوجستية وتوسيع الرقمنة وتبسيط إجراءات التصدير والتوريد، وهي عناصر تكتسب أهمية إضافية عند التعامل مع الأسواق المجاورة.

الحدود واللوجستيك في قلب المعادلة

يمثل تطوير المعابر الحدودية بين تونس والجزائر أحد المسارات التي يمكن أن تساهم في تقليص كلفة المبادلات ورفع انسيابية حركة السلع. كما تبرز الحاجة إلى تطوير مستودعات التخزين والخدمات اللوجستية وإحداث مناطق حرة حدودية قادرة على استقطاب أنشطة التصنيع والتحويل والتوزيع.

ولا تتوقف أهمية هذه المشاريع عند تحسين التجارة الثنائية، إذ يمكن للبنية التحتية المشتركة أن تساهم، على المدى المتوسط، في تحويل البلدين إلى حلقة وصل نحو الأسواق الإفريقية. فالاستفادة من الطرق العابرة للصحراء، إلى جانب تنسيق عمليات النقل والتخزين والتوزيع، يمكن أن تفتح المجال أمام تصدير منتجات تونسية وجزائرية بصورة مشتركة إلى أسواق جنوب الصحراء.

وهنا يمكن أن يتحول الموقع الجغرافي للبلدين من مجرد عامل يسهل التجارة الثنائية إلى عنصر استراتيجي في بناء شبكات إمداد إقليمية.

من بين الملفات التي يمكن أن تحدد مستقبل الشراكة الاقتصادية مسألة الاعتراف المتبادل بالمواصفات والمعايير الفنية. فحتى عندما تكون الرسوم الجمركية منخفضة أو المنتجات معفاة من بعض المعاليم، يمكن للاختلاف في المواصفات والإجراءات الفنية أن يرفع كلفة دخول السلع إلى السوق.

ومن ثم، فإن توحيد جزء من المعايير واللوائح، أو اعتماد آليات واضحة للاعتراف المتبادل بشهادات المطابقة، قد يساعد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بصفة خاصة على التوسع خارج أسواقها المحلية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر في قطاعات الصناعات الغذائية ومواد البناء والصناعات الكهربائية والميكانيكية، حيث تمثل المطابقة الفنية والسلامة والجودة عناصر أساسية في عملية التسويق.

المؤشرات الحالية تطرح إمكانية الانتقال بالعلاقات الاقتصادية التونسية الجزائرية من نموذج يقوم أساسًا على تبادل السلع إلى نموذج أوسع قائم على الشراكة في الإنتاج والاستثمار والخدمات.

وتوفر الصناعات الميكانيكية والكهربائية، ومكونات السيارات، والصناعات الغذائية، والنسيج، والفلاحة والتكنولوجيا الزراعية، والخدمات الرقمية، مجالات يمكن أن تتقاطع فيها القدرات التونسية مع حاجيات السوق الجزائرية. كما يمكن للمؤسسات من البلدين أن تستفيد من الشراكات في مجالات البحث والتطوير والتصنيع والمناولة والتوزيع.

وفي هذا الاتجاه، تبدو اللقاءات المهنية ومنتديات الأعمال أكثر أهمية عندما تتحول نتائجها إلى عقود واستثمارات ومشاريع مشتركة قابلة للتنفيذ، بدل أن تظل في حدود الاتصالات التجارية الأولية.

يمنح التقارب الاقتصادي بين تونس والجزائر إمكانية التفكير في أسواق تتجاوز البلدين. فإقامة شراكات إنتاجية تونسية جزائرية يمكن أن تسمح بتجميع الخبرات والموارد وتطوير منتجات موجهة إلى أسواق إفريقية أخرى، خصوصًا إذا ترافقت مع تنسيق لوجستي وتوزيعي.

ويأتي ذلك في وقت تعمل فيه تونس على تعزيز صادراتها وتنويع وجهاتها التجارية، فيما يمثل العمق الإفريقي للجزائر مجالًا مهمًا يمكن أن تستفيد منه الشركات في البلدين. ومن هذه الزاوية، فإن الطريق العابر للصحراء والبنية التحتية الحدودية لا ينبغي النظر إليهما فقط باعتبارهما أدوات للنقل، وإنما كجزء من منظومة أوسع للتكامل الاقتصادي الإقليمي.

Related posts

نحو إمضاء مذكرة تفاهم بين تونس والسعودية لتصنيع الأدوية

محمد بن محمود

للحد من العجز في الميزان التجاري..الاقبال على استهلاك المنتجات المحلية هو طوق النجاة الأساسي

صابر الحرشاني

العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران …بين كسر العظم وإعادة هندسة المنطقة (تحليل)

صابر الحرشاني

Leave a Comment