8 مايو، 2026
الصفحة الأولى تكنولوجيا وطنية

تمثل رافعة للنمو…الرقمنة سلاح مضاد للفساد

تعلق على مشاريع الرقمنة التي تتقدم في بلادنا بشكل تدريجي امال كبيرة جدّا، على أمل يؤدي اكتمال هذه البرامج الى اكتساب سلاح قوي ضدّ الفساد، و تحقيق رافعة قوية للنمو.

و تتقدم مشاريع الرقمنة في تونس بشكل تدريجي منذ سنوات، ورغم تعثر بعض البرامج، فإن الدولة وضعت خطة لإرساء بنية تحتية رقمية متكاملة تشمل الترابط البيني بين الوزارات والبلديات والقطاعات الاقتصادية الكبرى.

ومن أبرز المحاور التي يجري العمل عليها، تعميم المعرف الوحيد للمواطن، وتطوير منصات رقمية للخدمات الإدارية، ومزيد إطلاق حلول دفع إلكتروني لتقليص التعامل النقدي المباشر.

وترافق هذه المسارات دعوات متزايدة لإصلاحات على مستوى التشريعات والقوانين، لضمان الشفافية وحماية المعطيات الشخصية، في انسجام مع المعايير الدولية. ومع ذلك، ما تزال هناك تحديات كبرى.

سلاح فعال ضد الفساد

ويرى خبراء الاقتصاد والحوكمة أن الرقمنة تمثل أقوى وسيلة عملية للحد من الفساد في تونس. فالفساد يتغذى أساسا من غياب الشفافية، ومن وجود وسطاء، ومن التعاملات الورقية التي يصعب تتبعها. لذلك فإن تعويض الإجراءات الورقية بمعاملات رقمية يضمن تتبعا دقيقا لكل ملف، ويغلق أبواب المحاباة والرشوة.

على سبيل المثال، فإن رقمنة مسار الصفقات العمومية يمكن أن تكشف بشكل فوري عن التجاوزات أو تضارب المصالح، كما أن نشر البيانات المفتوحة حول الميزانيات والمشاريع العمومية يتيح لعب دور رقابي فعال، وبذلك لا يصبح الفساد مجرد شبهة، بل واقعة قابلة للإثبات بالأرقام والتواريخ والمعطيات الرسمية.

والأكثر من ذلك، فإن الرقمنة تسمح ببناء أرشيف إلكتروني لا يمكن التلاعب به، وهو ما يحمي ذاكرة الدولة من محاولات الطمس أو التزييف. وقد أكدت تجارب بلدان عديدة أن التحول الرقمي يساهم في تقليص نسب الفساد المالي والإداري بشكل لافت، ما يشجع المؤسسات الدولية على التعامل مع الدولة بقدر أكبر من الثقة.

رافعة للنمو وفرص للاستثمار

وعلى مدى عقود، كانت البيروقراطية تمثل هاجسا كبيرا أمام تطلعات المواطنين والمستثمرين، ذلك ان التعقيد الإداري وزمن الانتظار الطويل لإتمام المعاملات شكّلا عامل فرملة أمام الجهود المبذولة لتحقيق التنمية و الحال و انّ الرقمنة أداة فعالة لتجاوز هذه المشكلات، من خلال تحسين جودة الخدمات، وتسريع إنجاز المعاملات، وضمان التفاعل الفوري بين مختلف الأطراف.

وبعيدا عن بعدها الإداري والرقابي، تشكل الرقمنة فرصة اقتصادية كبرى لتونس. فهي تمثل سوقا متنامية قادرة على خلق آلاف مواطن الشغل في مجالات البرمجة، وصيانة الأنظمة، والأمن السيبرني، وإنتاج الحلول الذكية. كما أنها تسهل اندماج المؤسسات التونسية في الاقتصاد العالمي عبر التجارة الإلكترونية والخدمات عن بعد.

و من جهة أخرى، تساهم الرقمنة في تحسين مناخ الأعمال، حيث يصبح تأسيس مؤسسة أو الحصول على ترخيص مسألة لا تستغرق سوى دقائق معدودة، بدل الأسابيع الطويلة التي يتكبدها المستثمر اليوم. هذا التبسيط من شأنه أن يشجع على بعث مشاريع جديدة، ويحفز الاقتصاد الوطني على النمو.

ولا يخفى أن المؤسسات المالية الدولية والعديد من الشركاء الدوليين يضعون الرقمنة كشرط ضمني للتعاون المالي مع البلدان، معتبرين أن الشفافية والحوكمة الرقمية هي الضمانة الأساسية لحسن توظيف التمويلات والقروض. وهو ما يجعل من هذا المسار ضرورة سياسية واقتصادية في آن واحد.

رهانات المرحلة

و الجدير بالذكر انّ رقمنة الإدارة تعني أكثر من مجرد تحسين للأدوات المستخدمة حيث انها الاداة التي تعيد صياغة العلاقة بين المواطن والإدارة، بحيث لا يُضطر المواطن إلى تقديم وثائق موجودة بالفعل بحوزة المؤسسات، اذ تمهد هذه الخطوة لبناء علاقة ثقة متبادلة وتعزز من شفافية التعاملات الحكومية.

و تبدو الرقمنة ايضا ضرورة حتمية لتحفيز الاستثمار وتحسين الخدمات، فمن بين أبرز الجوانب التي تعزز أهمية الإدارة الرقمية دورها في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية اذ ان تسهيل الإجراءات، وخفض التكاليف، وتعزيز الشفافية، كلها عوامل تجعل من تونس وجهة أكثر تنافسية بشهادة العديد من المختصين و المراقبين.

كما أنّ الرقمنة تخفف من التعقيدات، ما يفتح المجال أمام الشركات الناشئة ورواد الأعمال للاستثمار في بيئة أعمال مشجعة، مما يساهم في تنشيط الاقتصاد وخلق فرص العمل، إضافة إلى ذلك، فان تبسيط الإجراءات الإدارية يُعدّ ضرورة لتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين  فالتعاملات اليومية التي كانت تستغرق وقتًا طويلاً بات من الممكن إنجازها في وقت قصير وبطريقة فعالة.ومع كل هذه المكاسب، يبقى السؤال الجوهري حول القدرة على تسريع نسق الرقمنة وتحويلها إلى واقع ملموس يعيشه المواطن يوميا حيث ان الإجابة تتوقف على ثلاثة عناصر أساسية وهي الاستعداد و التمويل المستدام، والتكوين البشري.

فمن دون استعداد واضح يضع الرقمنة كأولوية مطلقة، ستظل المشاريع متفرقة ومجزأة. ومن دون تمويلات كافية، ستبقى المنصات معطلة أو محدودة الفاعلية، أما من دون تكوين مستمر للإطارات والأعوان، فإن المنظومات الرقمية ستفقد معناها وتتحول إلى واجهة شكلية.

في المقابل، فإن النجاح في هذا الرهان سيضع تونس على سكة جديدة: إدارة عصرية شفافة، اقتصاد ديناميكي، ومجتمع أقل هشاشة أمام الفساد،فالرقمنة هي فلسفة حكم جديدة تعيد ترتيب العلاقة بين المواطن والدولة على قاعدة الثقة والوضوح والمساءلة.

 

 

Related posts

اليوم: انخفاض في الحرارة مع نزول أمطار

root

خلال يوم: الحماية المدنية تتدخل لإطفاء 140 حريقا

Na Da

وزارة المرأة : مشروع التمكين الأقتصادي و الاجتماعي يشمل 18 ولاية و 69 معتمدية

yosra Hattab

Leave a Comment