41.5 C
تونس
30 أغسطس، 2026
الصفحة الأولى وطنية

أزمة المياه المعلّبة : هل تم ضبط مسالك التوزيع؟

صابر الحرشاني

أثبتت عمليات تزويد المساحات الكبرى والمتوسطة بالمياه المعلّبة، خلال الأيام الأخيرة، أن الدولة قادرة، عند توفّر القرار والتنسيق، و على استعادة زمام المبادرة داخل مسالك التوزيع ومواجهة الاختلالات التي تظهر في فترات الطلب الاستثنائي.
وقد أعلنت وزارة التجارة يوم 28 أوت عن ضخ 9 ملايين قارورة من سعة لتر ونصف ولترين في مسالك توزيع تونس الكبرى، مع توجيه جزء من هذه الكميات إلى المساحات الكبرى والمتوسطة، في عملية قالت الوزارة إنها تستهدف أيضا الحد من الممارسات المنافية للمنافسة والاحتكار. 
ولم يكن الأمر مجرد زيادة عابرة في الكميات المعروضة، بل رافقته آليات تنظيمية داخل نقاط البيع. ففي إحدى المساحات التجارية بالضاحية الشمالية لتونس، بلغت المبيعات نحو 140 ألف قارورة في يوم واحد، قبل أن ترتفع الكميات المتاحة إلى قرابة 280 ألف قارورة ثم نحو 300 ألف قارورة، مع تحديد سقف شراء في حدود حزمتين للحريف الواحد لمنع التخزين وتمكين أكبر عدد ممكن من المستهلكين من الحصول على حاجتهم. 
وتكشف هذه الإجراءات عن أهمية المساحات الكبرى باعتبارها نقاطا يمكن من خلالها ضبط حركة السلع بسرعة ووضوح: الكمية التي تدخل، والجهة التي تستقبلها، وطريقة عرضها، والحد الأقصى الذي يمكن للمستهلك اقتناءه. كما أن التنسيق اليومي بين مصالح وزارة التجارة والمهنيين ووحدات التعليب أتاح، وفق المعطيات المنشورة، توجيه الإنتاج نحو مسالك التوزيع ومتابعة نسق التزويد بدلا من ترك السوق رهينة المضاربة أو التخزين الفردي. 

الأزمة على طريق الانفراج

غير أن نجاح هذه العملية في بعض المناطق لا ينبغي أن يتحول إلى استنتاج أوسع من الوقائع، فتوفير المياه المعلّبة في المساحات الكبرى لا يعادل حل أزمة مياه الشرب، بل يمثل تدخلا ظرفيا للتخفيف من آثارها عندما يتعطل التزويد أو يتراجع انتظامه.
وتؤكد المعطيات الميدانية أن الأزمة أبعد من أن تكون محصورة في رفوف المتاجر، فقد سجل المرصد التونسي للمياه 3064 تنبيها وشكوى خلال سنة 2025 مرتبطة بمشاكل النفاذ إلى المياه، كان 2666 منها متعلقا بالانقطاعات والاضطرابات في التزويد.
كما سجل المرصد 170 تحركا احتجاجيا على خلفية وضعية المياه. وتصدرت قفصة قائمة البلاغات، تلتها صفاقس وبن عروس ومدنين، بما يؤكد أن اضطراب التزويد ظاهرة تتجاوز المجال الحضري لتونس الكبرى. 
وفي صيف 2026، لم تتراجع المؤشرات. فقد أحصى المرصد 608 تبليغات خلال شهر جويلية وحده، بينها 549 حالة قطع غير معلن أو اضطراب في توزيع مياه الشرب، مع تركّز لافت في نابل والمنستير والمهدية وسوسة وصفاقس ومدنين. 
لذلك، فإن الصورة التي تقدمها عمليات التوزيع المنظم للمياه المعلّبة يجب قراءتها بدقة، فهناك قدرة على التدخل في مسالك السوق عندما تُحشد الوسائل اللوجستية والرقابية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة نفسها على ضمان التزويد بالماء الصالح للشراب في الشبكة العمومية بكل الجهات. والدليل أنه وقع إشراك مصالح حكومية في توزيع المياه بالصهاريج بعد تسجيل اضطرابات وانقطاعات في عدد من المناطق، بالتزامن مع موجة الحر. 

تحكم في التوزيع

الأهم في هذه التجربة ما أظهرته من إمكانية الانتقال من رد الفعل إلى إدارة أكثر إحكاما للمسلك من خلال تحديد الكميات، وتوجيهها إلى نقاط البيع، ومراقبة التوزيع، و الحد من التخزين، والتدخل عند اكتشاف مخزونات خارج المسالك القانونية. 
وقد أعلنت السلطات بالفعل عن العثور على كميات كبيرة من المياه المعلّبة مخزنة في مستودعات عشوائية، مع اتخاذ إجراءات لحجزها وإعادة توزيعها في الأسواق. 
وهذا الجانب مهم لأن أزمة المياه لا تنتج فقط عن محدودية الموارد، وإنما تتضخم أيضا عندما تختل حلقة من حلقات التوزيع.د، فحين تتدفق كميات كافية من وحدات التعليب، لكنها لا تصل بانتظام إلى المستهلك، تصبح المشكلة مسألة إدارة للمسلك بقدر ما هي مسألة إنتاج. وقد أشار أحد المنتجين إلى أن وحدات التعليب واصلت الإنتاج وأن الكميات توجه إلى شبكات التوزيع، بينما تولت خلية متابعة تضم الجهات المعنية مراقبة نسق الإمداد. 
لكن الاختبار الحقيقي يبقى خارج المساحات الكبرى. فالمواطن الذي لم يصل إليه الماء عبر الشبكة لا تعنيه فقط وفرة القوارير في متجر كبير بجهة أخرى. وما دامت ولايات ومناطق تسجل انقطاعات واضطرابات، فإن نجاح التدخل التجاري يظل نجاحا جزئيا في احتواء انعكاس من انعكاسات الأزمة، لا مؤشرا على انتهائها. ولهذا فإن ضبط مسالك توزيع المياه المعلّبة يمكن أن يوفر متنفسا مؤقتا ويحد من الاحتكار والمضاربة، لكنه لا يعوض إصلاح شبكات المياه، وتحسين الصيانة، وضمان عدالة التوزيع بين الجهات.
فالقدرة على تحريك ملايين القوارير خلال أيام تثبت أن أدوات التدخل موجودة، أما التحدي الأكبر فيبقى في تحويل هذه القدرة الاستثنائية على إدارة الطوارئ إلى قدرة دائمة على ضمان التزويد بمختلف المواد التي تسجل من فترة الى اخرى عدم انتظامية و تراجعات.

Related posts

هل خالف الحكم بروتوكول الفيفا لمكافحة العنصرية؟

صابر الحرشاني

اليوم: محكمة التعقيب تنظر مجددا في قضية انستالينغو

Na Da

قضية جديدة ضد سامي الفهري..ماهي تفاصيلها؟

Rahma Khmissi

Leave a Comment