صابر الحرشاني
ليس من الدقة، عند الحديث عن إصلاح قطاع الضمان الاجتماعي في تونس، أن ينحصر النقاش في عجز الصناديق الاجتماعية أو في البحث عن موارد إضافية لتمويلها، فالمسألة أعمق من ذلك بكثير.
وفي مقدمة الملفات التي تكشف هذه الحقيقة ملف التأمين على المرض، لأن الصندوق الوطني للتأمين على المرض لا يعمل من فراغ، وإنما يتحمل كلفة منظومة صحية كاملة تتحدد داخلها أسعار الخدمات، وأنماط الاستهلاك الطبي، وتوزيع الموارد بين القطاعين العمومي والخاص، ووضعية المؤسسات الصحية العمومية، وتوفر الأدوية، وتوزيع الأطباء والتجهيزات بين الجهات.
ولذلك فإن القول إن إصلاح الضمان الاجتماعي مرتبط بإصلاح المنظومة الصحية نتيجة مباشرة لطبيعة العلاقة القائمة بين المنظومتين. فالضمان الاجتماعي، من خلال التأمين على المرض، يمول جزءا مهما من الطلب على الخدمات الصحية، بينما تحدد المنظومة الصحية نفسها حجم هذا الطلب وكلفته ونجاعته. ومن هنا، فإن أي إصلاح جدي للضمان الاجتماعي لا يمكن أن يتجاهل الطريقة التي تنتج بها الخدمات الصحية وتمول وتوزع، كما لا يمكن إصلاح المنظومة الصحية بمعزل عن الجهة التي تتحمل جزءا أساسيا من كلفتها.
أزمة الصحة جزء من أزمة الضمان الاجتماعي
و تكشف التجربة التونسية بوضوح أن المشاكل المالية التي تواجه منظومة الضمان الاجتماعي لا يمكن تفسيرها كلها من داخل الصناديق نفسها، فارتفاع كلفة العلاج والأدوية، وتنامي الأمراض المزمنة، وتطور التقنيات الطبية، وتغير الحاجيات الصحية للمواطنين، كلها عوامل تضغط بصورة مباشرة أو غير مباشرة على منظومة التأمين على المرض. وفي المقابل، فإن محدودية إمكانيات المؤسسات الصحية العمومية، ونقص بعض التجهيزات والأدوية، وتفاوت توزيع الموارد البشرية بين الجهات، كلها عوامل يمكن أن تدفع نحو مزيد من اللجوء إلى القطاع الخاص، بما ينعكس في النهاية على كلفة العلاج التي تتحملها منظومة التأمين.
وهنا تكمن إحدى أهم المفارقات فعندما يتم النظر إلى الصناديق الاجتماعية باعتبارها مؤسسات مالية تعاني من العجز، يصبح الحل المقترح عادة البحث عن موارد إضافية أو مراجعة الاشتراكات والمنافع، لكن هذه المقاربة لا تجيب عن السؤال الأهم وهو لماذا ترتفع الكلفة أصلا؟ فإذا بقيت أسباب ارتفاع الإنفاق الصحي قائمة، فإن معالجة العجز من خلال موارد إضافية قد توفر متنفسا ماليا مؤقتا، لكنها لن تؤدي بالضرورة إلى إصلاح هيكلي.
ويظهر ذلك بصورة خاصة في علاقة الصندوق الوطني للتأمين على المرض بمختلف مقدمي الخدمات الصحية، فمنذ إحداث النظام الأساسي للتأمين على المرض بالقانون عدد 71 لسنة 2004، أصبح الصندوق طرفا أساسيا في تمويل الخدمات الصحية للمضمونين الاجتماعيين، لكنه لا ينتج هذه الخدمات بنفسه، فالخدمة تقدمها المستشفيات العمومية، ومراكز الصحة الأساسية، والأطباء، والمصحات الخاصة، والصيادلة، والمخابر وغيرها من الهياكل والمتدخلين، وهذا يعني أن قدرة الصندوق على التحكم في نفقاته لا تتوقف على موارده فقط، وإنما ترتبط أيضا بكيفية تنظيم العلاقة مع مقدمي الخدمات، وبالأسعار المعتمدة، وبطرق التعاقد، وبآليات الرقابة، وبمدى توجيه المريض إلى مستوى العلاج المناسب. ولذلك فإن إصلاح الكنام لا يمكن أن يختزل في تحسين حساباتها المالية، بل يقتضي إعادة النظر في الطريقة التي يتم بها شراء الخدمات الصحية وتمويلها ومراقبتها.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بالقطاع الصحي العمومي فضعف المستشفى العمومي لا يمثل مشكلة تخص وزارة الصحة وحدها، فعندما يعجز المستشفى عن توفير خدمة أو دواء أو موعد في ظروف مناسبة، ينتقل جزء من الطلب إلى القطاع الخاص، وعندما يتوسع هذا المسار تتغير تلقائيا تركيبة الإنفاق الذي تتحمله منظومة التأمين على المرض.
وقد عكست الإجراءات الحكومية التي اتخذت خلال السنوات الأخيرة لمعالجة وضعية المؤسسات الصحية العمومية والصيدلية المركزية، وتسوية جانب من المستحقات المتبادلة مع الصناديق الاجتماعية، حجم التشابك المالي والمؤسساتي بين الصحة والضمان الاجتماعي.
و يبدو ان إصلاح القطاع الصحي العمومي عنصر من عناصر الاستدامة المالية لمنظومة الحماية الاجتماعية، ذلك ان المستشفى العمومي القادر على تقديم العلاج في الوقت المناسب وبجودة مقبولة يمكن أن يساهم في الحد من اللجوء غير الضروري إلى خدمات أكثر كلفة، في حين أن تدهور قدرته على أداء وظائفه يمكن أن يؤدي إلى نقل جزء من الكلفة من ميزانية المؤسسات الصحية إلى منظومة التأمين الاجتماعي وإلى جيب المواطن.
من تمويل العلاج إلى إصلاح طريقة إنتاجه
وتبدو المشكلة في بلادنا مرتبطة ايضا بالطريقة التي يتم بها هذا الإنفاق. فالنظام الصحي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على التدخل بعد ظهور المرض سيكون أكثر كلفة من نظام يعطي الرعاية الصحية الأساسية والوقاية والكشف المبكر والمتابعة المستمرة للأمراض المزمنة مكانة أكبر، وهذه المسألة أصبحت أكثر إلحاحا في تونس مع التحولات الديمغرافية والوبائية التي تعرفها البلاد. فالأمراض المزمنة، وفي مقدمتها السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، تتطلب علاجا مستمرا ومتابعة طويلة الأمد، ويمكن أن تتحول، في حال ضعف الوقاية والتشخيص المبكر، إلى مضاعفات تحتاج إلى استشفاء وعلاجات أكثر تعقيدا وكلفة.
ويرى خبراء ان إصلاح الضمان الاجتماعي يقتضي بالضرورة إعادة النظر في النموذج الصحي الذي يموله، فبدلا من أن تكون المنظومة منشغلة أساسا بتسديد تكلفة العلاج بعد حدوث المرض، يجب أن تكون قادرة على توجيه جزء أكبر من مواردها نحو الوقاية والرعاية الصحية الأساسية والمتابعة المنتظمة. وهنا تصبح إعادة الاعتبار إلى الخط الأول للصحة، وإلى طبيب العائلة، وإلى مراكز الصحة الأساسية، وإلى برامج الكشف المبكر، جزءا من سياسة إصلاح الضمان الاجتماعي نفسها، وليس شأنا منفصلا يخص وزارة الصحة.
كما أن العلاقة بين الكنام والقطاع الخاص تحتاج إلى إعادة تنظيم على هذا الأساس،فالقطاع الخاص أصبح مكونا أساسيا في العرض الصحي ولا يمكن أن يقوم الإصلاح على إقصائه أو على وضعه في مواجهة القطاع العمومي والمطلوب هو تنظيم العلاقة بين الطرفين على أساس واضح يضمن للمواطن حقه في العلاج، ويضمن لمقدم الخدمة شروطا اقتصادية معقولة، وفي الوقت نفسه يحمي منظومة التأمين من التكاليف غير الضرورية.
وهذا يفترض تطوير قدرة الكنام على الانتقال من مجرد دفع مقابل الخدمات إلى ما يمكن تسميته بالشراء الاستراتيجي للخدمات الصحية. أي أن لا يقتصر دورها على تسديد الفواتير، وإنما أن تكون قادرة على التفاوض حول الأسعار، ومراقبة جودة الخدمات، وتقييم مدى ضرورتها، وتشجيع الوقاية والمتابعة، وربط جزء من التمويل بالنتائج الصحية. كما يتطلب ذلك تطوير أنظمة المعلومات والرقمنة بما يسمح بتتبع مسار المريض والخدمات المقدمة والتكاليف الحقيقية، والحد من التجاوزات أو الاستعمال غير الضروري للخدمات.
ويكتسي ملف الدواء أهمية خاصة في هذا السياق فاضطراب تمويل الأدوية أو تراكم المستحقات بين مختلف المتدخلين لا ينعكس فقط على قدرة المواطن على الحصول على الدواء، وإنما ينتقل أثره إلى المؤسسات الصحية وإلى الصندوق الوطني للتأمين على المرض وإلى ميزانية الدولة. ولذلك فإن إصلاح منظومة الدواء، من الشراء والتخزين إلى التوزيع والتسعير وترشيد الاستهلاك، ينبغي أن يكون جزءا من الإصلاح الشامل للمنظومة الصحية والاجتماعية.
كما يبدو الأهم من كل ذلك هو إعادة تحديد الهدف النهائي للإصلاح فليس المطلوب فقط إنقاذ الصناديق أو تخفيض عجزها، لأن الصندوق المتوازن ماليا لا يكون بالضرورة ناجحا اجتماعيا إذا كان المواطن غير قادر على الوصول إلى العلاج أو إذا كانت الأسر تتحمل نسبة مرتفعة من كلفة المرض. وفي المقابل، فإن توسيع المنافع دون إصلاح مصادر التمويل وآليات تقديم الخدمات سيقود حتما إلى مزيد من الضغوط المالية.
المعادلة التي تحتاجها تونس هي إذن أكثر تعقيدا من مجرد البحث عن موارد جديدة للصناديق حيث ان المطلوب هو بناء علاقة متوازنة بين الاشتراكات والمنافع، وبين تمويل العلاج وإنتاجه، وبين القطاع العمومي والقطاع الخاص، وبين مسؤولية الدولة ومسؤولية الصناديق، وبين متطلبات الحماية الاجتماعية وقدرة الاقتصاد على تمويلها.
