8 مايو، 2026
الصفحة الأولى مجتمع وطنية

هجرة الاطباء “داء” ينخر الصحة العمومية

صابر الحرشاني
تشهد منظومة الصحة العمومية في تونس منذ سنوات وضعا دقيقا يتقاطع فيه الضغط اليومي داخل المستشفيات مع اشكالات هيكلية تراكمت على امتداد عقود ويأتي ملف هجرة الاطباء ليكشف بوضوح حجم هذا التحدي وما يطرحه من اسئلة جوهرية حول مستقبل هذا القطاع الحيوي وقدرته على الاستمرار في اداء وظيفته الاجتماعية على الوجه المطلوب.
ولا تقتصر ظاهرة هجرة الادمغة على تونس وحدها بل تعد مسارا عالميا يشمل عديد الدول النامية وحتى بعض الاقتصادات الصاعدة حيث تدفع الفوارق في فرص العمل والبحث العلمي ومستويات الاجور وظروف العيش بالكفاءات العليا نحو الاسواق الاكثر استقطابا وتشير تقارير دولية الى ان بلدان افريقية واسيوية وامريكية لاتينية تعاني بدورها من نزيف متواصل في الموارد البشرية خاصة في قطاعات حيوية مثل الصحة والهندسة والتعليم العالي وفي المقابل تعتمد دول متقدمة على سياسات جذب نشطة للكفاءات بما يعمق الاختلال في توزيع الخبرات على المستوى العالمي ويحول المسالة الى تحد دولي يتجاوز الخصوصيات الوطنية
وتضع المعطيات التي يتم تداولها في الاونة الاخيرة حول مغادرة الاف الاطباء البلاد خلال فترة زمنية قصيرة الجميع امام مسؤوليات مباشرة فحين يغادر اكثر من 6000 طبيب تونس في اربع سنوات فقط وحين تسجل سنة واحدة مغادرة ما يقارب 1450 طبيبا فان الامر يتعلق بتحول عميق في علاقة الاطار الطبي بمنظومته المهنية وبالبيئة التي يفترض ان توفر له شروط العمل والاستقرار والتطور
هذه الظاهرة لم تعد مرتبطة فقط بالاطباء الشبان في بداية مسارهم المهني بل شملت اطباء ذوي خبرة ورؤساء اقسام واطارات جامعية تولت لسنوات مهام التكوين والتاطير داخل المستشفيات الجامعية وهو ما يضفي على المسالة ابعادا اكثر خطورة ذلك ان مغادرة هذا الصنف من الاطباء تعني فقدان تراكم معرفي وتجربة ميدانية تشكل العمود الفقري لجودة الخدمات الصحية واستمرارية المدرسة الطبية التونسية
والضغط الذي يعيشه الطبيب داخل المستشفى العمومي اصبح عنصرا مركزيا في تفسير هذه الموجة من الهجرة فالعمل في اقسام مكتظة وضعف التجهيزات وتراجع البنية التحتية وارتفاع عدد المرضى مقارنة بعدد الاطباء كلها عوامل تجعل من الممارسة اليومية للمهنة مجهودا مضاعفا لا يقابله في اغلب الاحيان اعتراف مادي او مهني يتناسب مع حجم المسؤولية فالطبيب مطالب باتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بحياة المرضى في ظروف تفتقر احيانا الى الحد الادنى من الوسائل
تداعيات هذا الوضع لا تنحصر داخل اسوار المستشفيات بل تنعكس مباشرة على المواطن الذي يجد نفسه امام مواعيد طبية بعيدة وطوابير انتظار طويلة ونقص في الاطارات المختصة في عديد الجهات الداخلية وهو ما يوسع الفجوة بين الجهات ويعمق الاحساس بعدم تكافؤ الفرص في النفاذ الى العلاج ويدفع شريحة واسعة من المواطنين نحو القطاع الخاص رغم كلفته المرتفعة
الجانب الاقتصادي لهذا النزيف البشري لا يقل خطورة فالدولة تستثمر على امتداد سنوات طويلة في تكوين الطبيب من التعليم الاساسي الى الدراسات العليا والتخصص الدقيق وعندما يغادر هذا الطبيب البلاد بعد فترة قصيرة من العمل تتحول كلفة التكوين الى عبء دون مردودية داخلية في حين تستفيد الدول المستقبلة من كفاءة جاهزة دون تحمل اي جزء من هذا الاستثمار وهو ما يطرح مسالة العدالة في توزيع الموارد البشرية على المستوى الدولي
في المقابل لا يمكن تجاهل الجهود التي تبذلها الدولة في اتجاه اصلاح المنظومة الصحية سواء عبر مشاريع دعم البنية التحتية او تطوير التجهيزات الطبية او مراجعة بعض النصوص القانونية المنظمة للقطاع غير ان حجم التحديات المطروحة يفرض تسريع وتيرة الاصلاح والانتقال من المعالجات الظرفية الى رؤية شاملة تعيد الاعتبار للطبيب العمومي باعتباره حجر الزاوية في اي اصلاح صحي
و تحسين الوضع المادي للاطباء يظل احد المحاور الاساسية في هذا المسار فالدخل الذي يضمن الاستقرار الاجتماعي والنفسي يمثل عنصرا حاسما في قرار البقاء او المغادرة خاصة في ظل ارتفاع كلفة المعيشة وتزايد الاعباء المهنية غير ان هذا الجانب وحده لا يكفي اذ تبرز الحاجة الى سياسات تحفيزية مرتبطة بالكفاءة والاداء والعمل في المناطق الداخلية الى جانب توفير مسارات مهنية واضحة تقوم على التكوين المستمر والبحث العلمي والترقيات العادلة
ويعد تشريك الاطباء في صياغة السياسات الصحية يعد بدوره مدخلا اساسيا لاعادة بناء الثقة بين الاطار الطبي والمؤسسات المشرفة على القطاع فالطبيب الذي يشارك في اتخاذ القرار ويشعر بان صوته مسموع يكون اكثر استعدادا لتحمل الصعوبات والمساهمة في انجاح الاصلاحات المنشودة خاصة وان التجربة الميدانية تظل مصدرا اساسيا لتشخيص الاعطاب واقتراح الحلول الواقعية
و الرهان اليوم لا يتعلق فقط بالحد من هجرة الاطباء بل بضمان ديمومة منظومة الصحة العمومية وقدرتها على الاستجابة لانتظارات التونسيين في مختلف الجهات فالقطاع الصحي يمثل احد اعمدة الدولة الاجتماعية واي خلل فيه ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي وعلى ثقة المواطن في مؤسساته
ويبدو ان هجرة الاطباء تظل قابلة للتطويق متى توفر الاستثمار الحقيقي في العنصر البشري فالطبيب التونسي اثبت في اكثر من مناسبة قدرته على التضحية والعمل في ظروف صعبة عندما تتوفر له بيئة تحترم علمه وتقدر مجهوده وتفتح امامه افاق التطور المهني فالرهان الحقيقي يبقى في تحويل هذا الادراك الى سياسات ملموسة تعيد للمنظومة الصحية توازنها وللطبيب مكانته الطبيعية داخلها

Related posts

منذ بداية السنة.. رصد 42 بؤرة تسمم غذائي

marwa

الاحتفاظ بثلاثة مشتبه بهم في جريمة قتل زوجين مسنين بالكاف

صابر الحرشاني

قضية “جوازات السفر والجنسيات”: تأجيل استنطاق حمادي الجبالي

Na Da

Leave a Comment