12 مايو، 2026
الصفحة الأولى صحة

نظام الطيبات…الجماهير تهتم بالأمل قبل الحقيقة

صابر الحرشاني

يكشف الاهتمام الكبير بنظام الطيبات الذي ابتدعه الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي عن بروز ظاهرة نفسية اجتماعية تتعلق بطريقة تشكل القناعة الجماعية في زمن المنصات الرقمية. وسواء في حياة العوضي او بعد رحيله كلما صدرت تحذيرات طبية من النظام الصحي، ازداد تمسك جزء من الناس به، بل إن وفاة صاحبه لم تضعف حضوره، وإنما حولته عند البعض إلى ما يشبه “الفكرة المظلومة” التي تعرضت للحصار.

والمفارقة اللافتة أن جزءا من المتعلقين بنظام الطيبات هذا لا يدافعون عنه باعتباره برنامجا غذائيا فحس، و انما باعتباره “حقيقة مخفية” تقف ضدها المؤسسات الطبية وشركات الدواء والمصالح الاقتصادية.

ويثير هذا التعلق على الارجح أن العلاقة لم تعد علاقة جمهور بنظام غذائي، وإنما علاقة جمهور بسردية كاملة تمنحه شعورا بالتميز واليقين والانتماء، حيث تحدثت تقارير إعلامية متعددة عن استمرار انتشار نظام الطيبات بعد وفاة صاحبه، وتحوله إلى حالة تتداولها الصفحات والمجموعات وحتى بعض الأنشطة التجارية، مادفع بالسلطات المصرية الى حظر تداوله على مختلف المنصات و اصدار تحذيرات رسمية وطبية من مخاطره، خاصة لدى مرضى الأمراض المزمنة في بلدان اخرى بما فيها تونس.

 

البحث عن الامل

 

ويبدو الخطأ الشائع في قراءة الظاهرة هو افتراض أن الناس تتخذ قراراتها الصحية بطريقة عقلانية بحتة، غير أن الواقع النفسي مختلف تماما، فالإنسان حين يشعر بالخوف أو العجز أو الإرهاق من المرض، يصبح أكثر استعدادا لتصديق أي خطاب يمنحه أملا واضحا وبسيطا.

ومن المعلوم أن الطب الحديث معقد ومربك بالنسبة لكثيرين، ومرهق ايضا و مثقل بما فيه من تحاليل و أدويةو آثار جانبية ومراجعات طويلة، ومصطلحات لا يفهمها الجميع. بينما قدم “نظام الطيبات” للطبيب الراحل ضياء العوضي خطابا شديد البساطة يقوم على ثنائية وجود أطعمة “طيبة” وأخرى “خبيثة”، وأن التزمت بالقواعد سيستعيد مع الجسم توازنه، حيث منحت هذه الثنائية البسيطة العقول راحة نفسية، لكونها ببساطةاختزلت “الفوضى” في معادلة مفهومة.

ومن المعلوم ايضا أن الإنسان يميل بطبيعته إلى التفسيرات السهلة والواضحة، خاصة عندما يتعلق الأمر بصحته، و لذلك نجد أن الأنظمة التي تقدم “حلا شاملا” تنتشر أسرع من الخطابات العلمية الدقيقة التي تقوم على الاحتمال والتدرج والاستثناءات.

كما يمكن تفسير ذلك في علم النفس بـ”التحيز التأكيدي” على اعتقاد أن المتابع يبحث عن القصص التي تؤكد اقتناعه ويتجاهل ما يناقضه، فإذا شاهد شخصا يقول إنه خسر الوزن أو تحسنت حالته بعد اتباع النظام، فإنه يمنح هذه الشهادة قيمة أكبر من عشرات التحذيرات الطبيةو يبدو في هذا تفسير واضح لانتشار روايات فردية عن الشفاء بشكل واسع على المنصات. 

 

صورة “الطبيب المتمرد” صنعت تعاطفا عاطفيا

 

و نجاح الظاهرة مرتبط أيضا بصورة صاحبها نفسه، ذلك أن الطبيب الراحل ضياء العوضي لم يقدم نفسه كطبيب تقليدي يتحدث بلغة أكاديمية باردة، بل ظهر بصورة “الطبيب الخارج عن المنظومة”، وهذه الشخصية تمتلك جاذبية نفسية قوية في المجتمعات التي تعاني أصلا من ضعف الثقة بالمؤسسات.

وعندما يشعر الناس أن الأنظمة الصحية مرهقة أو مكلفة أو بعيدة عنهم، يصبحون أكثر استعدادا للالتفاف حول شخصية تبدو وكأنها “تقول الحقيقة التي يخفيها الآخرون”، و هنا يتحول الشخص من صاحب فكرة إلى رمز للمواجهة او المقاومة.

كما أن الهجوم الطبي عليه ساهم في تعزيز صورته لدى بعض المتابعين، و يقول المختصون أن في علم النفس الاجتماعي توجد ظاهرة معروفة مفادها ان كلما شعر الجمهور أن شخصا ما يتعرض للملاحقة أو الإقصاء، يزداد تعاطفهم معه باعتباره ضحية. ولهذا فإن قرارات نقابة الأطباء والتحذيرات الرسمية المصرية على سبيل المثال لم تؤد دائما إلى تقليص تأثيره، بل دفعت بعض أتباعه إلى مزيد من التصلب في الدفاع عنه.

كما لعبت وفاة الرجل دورا محوريا في صناعة “الهالة”، فالموت المفاجئ غالبا ما يجمّد صورة الشخص في أذهان الناس ويمنحه بعدا رمزيا، حيث ان مريدوه تجاوزا مناقشة صحة النظام الذي ارساه، و أصبحوا يتعاملون مع صاحبه كصاحب “رسالة لم تكتمل”. وهذا يفسر عودة فيديوهاته للانتشار بكثافة بعد الوفاة.

ولا يمكن فهم جزء كبير من الظاهرة دون فهم طبيعة المنصات الرقمية نفسها، و بات من المعلوم أن خوارزميات مواقع التواصل لا تكافئ المحتوى الأكثر دقة، بل المحتوى الأكثر إثارة وقدرة على خلق التفاعل، فمثلا فان الطبيب الذي يقول إن الحالة تختلف من شخص إلى آخر لن ينتشر مثل شخص يقول بثقة إن “هذا الطعام سم وهذا الطعام علاج” و بذلك فان اليقين الحاد ينتشر أسرع من التفسير العلمي المتوازن.

كما أن المجتمعات الرقمية تميل إلى التحول إلى جماعات مغلقة تعيد إنتاج نفس الأفكار باستمرار،و داخل هذه المساحات يشعر المتابع أنه ينتمي إلى مجموعة “فهمت الحقيقة”، بينما الآخرون ما يزالون “مخدوعين” وهذا الإحساس بالتفوق المعرفي يمنح أتباع أي فكرة متماسكة طاقة دفاعية عالية.

ويمكن القول انه لا يمكن تفسير ظاهرة “نظام الطيبات” بوجود أزمة وعي صحي، بل بحاجة نفسية عميقة لدى الناس و رغبة في تفسير بسيط لعالم معقد، والبحث عن شخص يمنحهم اليقين في زمن مليء بالقلق والتناقض، ولهذا لم يمت النظام بوفاة صاحبه، لأن ما تعلق به الناس لم يكن مجرد قائمة أطعمة، بل الإحساس بأن هناك من يملك إجابة واضحة وسط فوضى الحياة الحديثة.

 

 

Related posts

يهم الفتيات: لقاح جديد يضاف الى روزنامة التلاقيح في تونس

Moufida Ayari

تونس – ليبيريا…اليك التشكيلة المحتملة لمواجهة اليوم

صابر الحرشاني

سامي الطرابسلي ناخبا وطنيا للمنتخب الوطني التونسي

صابر الحرشاني

Leave a Comment