17 مايو، 2026
الصفحة الأولى

توزر ندوة فكرية بمناسبة شهر التراث

توزر
ندوة فكرية حول الأعمار والاجر المحلي في نفطة
اللقاء مع المهندس عبدالحميد تواتي كان شيقا كالعادة وشاملا ،حيث تحدث حول الندوة التي احتضنتها نفطة بمناسبة شهر التراث حول
​الذاكرة الحية لبلاد الجريد: المعمار والآجر المحلي
​حيث قال تواتي أنه في إطار
​ الاحتفالات الوطنية بشهر التراث الذي يتشح هذا العام برداء “التراث وفن العمارة”، احتضنت مدينة نفطة العريقة – حاضرة العلم والجمال ببلاد الجريد – فعاليات ندوة فكرية تمحورت حول “المعمار والآجر المحلي”. الندوة التي نظمتها جمعية الشباب المبدع بنفطة، برئاسة الأستاذ علي بوعون مدير مهرجان التراث بنفطة ، واحتضن فضاءاتها الممتدة المركب الشبابي بنفطة، شهدت مواكبة متميزة وتنوعاً عمرياً لافتاً، عكس وعياً متوارثاً وشغفاً متجدداً لدى مختلف الأجيال بصون الذاكرة الهندسية والجمالية للواحة.
​انطلقت أشغال الندوة الفكرية لتقصّي أسرار المعمار الجريدي؛ ذلك الإرث الذي تمازجت فيه عبقرية الإنسان مع سخاء الطبيعة، ليتحول الطين المطبوخ إلى لوحات تشكيلية تروي تاريخاً من الصمود والتحضر.
​تفكيك النسيج العمراني والرحلة التاريخية للمادة
​افتتحت الجلسات العلمية بالمداخلة القيمة للباحث بالمعهد الوطني للتراث، السيد مراد الشتوي، والتي حملت عنوان “الخصائص المعمارية في مدينة نفطة”. استهل الباحث قراءته بالإشادة بالشهادات التاريخية للرحالة الأجانب، وعلى رأسهم “فيكتور قيران” في منتصف القرن التاسع عشر، الذي ذُهل بنسق العمران في نفطة واعتبرها من أرقى مدن الإيالة التونسية بناءً وتمدناً.
​ثم رحل الشتوي بالحضور في مجاهل التاريخ ليقفو أثر تطور مواد البناء بالجهة؛ مستعرضاً الفترات القديمة ما قبل الإسلام حيث كان حضور الآجر خجولاً ومحدوداً – كما هو الحال في كنيسة كستيليا الأثرية – لحساب الحجارة المهندمة والجير والرماد. ومع حلول العصر الوسيط وبداية القرن الثالث عشر، رصد الباحث تحولاً تدريجياً تزامناً مع زيارة المؤرخ “التيجاني” للمنطقة، حيث بدأ التخلي عن الحجارة ليبرز نمط الآجر الأصفر بمقاييسه الحالية المعاصرة (22x11x4 سم)، وهو ما أكدته الحفريات الأثرية بجامع بلد الحضر ومئذنته الحفصية الشامخة.
​وفي منعرج تاريخي حاسم، توقف الباحث عند حي “أولاد الهادف” (نهاية القرن 15م وبداية القرن 16م)، معتبراً إياه المهد الحقيقي والمنطلق الفعلي للثورة المعمارية للآجر المكثف، حيث ارتبط هذا الفن بالجاه والرفاه وسلطة العشيرة الحاكمة، لينتقل سريعاً كعنوان للتميز إلى بقية أحياء الجريد كحي علقمة بنفطة.
​ولم يفت الشتوي التوقف عند الأبعاد الرمزية والدلالية للزخارف الهندسية، مبيناً تقاطعها المدهش مع فنون النسيج والوشم وجذورها البربرية الأمازيغية المشتركة في الفضاء المغاربي، حيث تحاك الواجهات بمسميات مستلهمة من روح البيئة وهوية الواحة، كأشكال “الحنش”، “الجريدة”، “البوحبيبي”، و”الجمل” الذي يرمز لقوافل الرخاء التجاري.
​مقاربات تشكيلية وأبعاد تنموية لواجهة الواحة
​وفي قراءة مكملة امتازت بعمقها البصري وفلسفتها النقدية، قدم السيد عبد الحميد حدان مداخلة محورية بعنوان “معمار الجريد: مقاربات فنية تشكيلية”، اتخذ فيها من الجدار والواجهة الجريدية لوحة فنية مفتوحة ومعرضاً إنسانياً دائماً.
​انطلق حدان من جدلية العلاقة بين الإنسان والطبيعة، معتبراً أن المدونة العمرانية في الجريد هي لغة التحرر الذكي ضد قساوة المناخ الصحراوي. واستحضر الباحث في سياق سردي ماتع عبق التاريخ الأدبي لنفطة وتوزر من خلال أبيات شعرية تغنت بجمال الواحات التي تبدو كـ “عقد الزهر في عنق الدهر”. ووصف ببراعة هندسة الأزقة المتعرجة المصممة لكسر موجات الرياح الخريفية، والجدران السميكة التي تقف حصناً منيعاً يمتص لفحات القيظ الصيفي.
​وربط المحاضر بين عبقرية البناء المحلي والنظرية الكلاسيكية للمهندس الروماني “فيتروف”، موضحاً كيف حقق معمار الجريد الشروط الثلاثة العظمى: الملائمة البيئية (عبر تسقيف البيوت بجريد النخيل وسعفه وخشبها)، والصلابة المستدامة (مستشهداً بالآية القرآنية حول تطويع الطين بالطبخ وصناعة الصروح الصلبة)، والمتعة البصرية العالية للعين.
​وفي قراءته التفكيكية للواجهات، شبّه حدان جدار الآجر (بمقاساته الدقيقة 17x8x3.5 سم) بالنوتات الموسيقية المتناغمة، أو بالوشم الحسي المطبوع في ذاكرة المكان والذي يرفض الفناء والزوال. واختتم حدان مداخلته بمقاربة نقَدية لاذعة للسياسات السياحية والتنموية السابقة التي ركزت على الشريط الساحلي والشمال، داعياً إلى إعادة الاعتبار لعمارة الواحات باعتبارها “اللولب المركزي” الفعلي لأي تنمية حقيقية مستدامة، واصفاً معمار الجريد بأنه “حضارة كاملة صنعتها الشمس بمعية التراب والماء والنخيل”.
​خصوصيات البناء التقليدي وإعداد المواد
​وفي الجزء الثالث من الندوة، تقدم السيد عبد الجواد القفصي بوقفة علمية رصينة تحت عنوان “التراث المعماري ببلاد الجريد: خصوصيات البناء التقليدي وطرق إعداد المواد”.
​وقد ركزت هذه المداخلة على الجوانب التطبيقية والتقنية الهندسية التي ميزت “البنّاء الجريدي” عبر العصور. وقام القفصي بتفكيك أسرار التعامل مع الطين المحلي وكيفية إعداده وعجنه بمقادير علمية موروثة، ثم مراحل تجفيفه وطبخه في الأفران التقليدية لإنتاج الآجر الأصفر المميز بقدرته العالية على عزل الحرارة ومقاومة عوامل الزمن. كما استعرض الخصوصيات الهندسية لعملية البناء والتركيب، والتي تتطلب دقة متناهية لتشكيل النتوءات والزخارف البارزة دون الإخلال بالتوازن الهيكلي للمباني، معتبراً أن هذه الممارسات تمثل ذروة التلاؤم بين التكنولوجيا التقليدية والمتطلبات البيئية للمنطقة.
​النقاش التفاعلي مع الحضور
​إثر استكمال المداخلات العلمية، فُتح باب النقاش والتفاعل مع الحاضرين الذين أثثوا الفضاء بأسئلتهم العميقة وإضافاتهم القيمة. وتمحورت النقاشات حول سبل حماية هذا النمط المعماري الفريد من زحف المواد الحديثة، وكيفية إحياء تقنيات إنتاج الآجر التقليدي وحماية أفرانه التاريخية، مؤكدين على دور المجتمع المدني والمؤسسات

Related posts

“نيويورك تايمز”: 10 أطفال على الأقل في أمريكا توفوا بسبب لقاحات كورونا

صابر الحرشاني

سحب مقترح تنظيم المحكمة الدستورية

صابر الحرشاني

3 لاعبين متضررين من قدوم راني خضيرة إلى منتخب تونس

صابر الحرشاني

Leave a Comment